المقدمة: الإسلام ليس مشكلة… بل هو رسالة سلام ورحمة وتعايش.
هذا التقرير لا يكتفي بالملاحظة، بل يُمثّل نداءً إلى الإعلام العالمي لإعادة النظر في دوره، ومراجعة رسالته.
رسالة هذا التقرير واضحة: الإسلام لم يكن يومًا ضد السلام، ولا ضد التعايش مع اليهود أو المسيحيين أو أي شعبٍ كان بل رحمة ومودة بين الشعوب.
مدخل تحليلي
في عالم تتسارع فيه وتيرة الأحداث وتتصاعد حدة النزاعات، يبرز الإعلام كفاعل رئيسي في تشكيل الرأي العام وصناعة التصورات حول القضايا الدينية والثقافية. ويأتي الإعلام الإسلامي اليوم أمام مسؤولية تاريخية واستراتيجية، ليس فقط للدفاع عن صورة الإسلام الحقيقية، بل للمساهمة الفاعلة في بناء جسور التفاهم والسلام بين الشعوب والأديان. هذا الدور يتعاظم مع تصاعد حملات التشويه الممنهجة التي تربط الإسلام بالعنف والتطرف، متجاهلةً جوهر رسالته القائمة على الرحمة والعدل واحترام الإنسان.
الإسلام لم يكن يومًا ضد السلام حقيقة تاريخية ومعاصرة وهو ليس المشكلة، بل هو الحل فمنذ نشأته، قدّم الإسلام نموذجًا متقدمًا للمجتمع المدني: ضمّن الحماية لليهود والمسيحيين ودعا إلى الرحمة والحوار وكرامة الإنسان وشجّع على العلم والدبلوماسية والاحترام المتبادل.
ومنذ بزوغ فجر الرسالة المحمدية، كان الإسلام دين سلام وعدل وتعايش فقد أكد القرآن والسنة النبوية على قيم التسامح والرحمة واحترام الآخر وصون كرامة الإنسان بغض النظر عن دينه أو عرقه أو لونه. لقد عاش المسلمون عبر التاريخ جنبًا إلى جنب مع اليهود والمسيحيين وغيرهم من أتباع الديانات الأخرى في نماذج حضارية راقية للتعايش المشترك؛ من الأندلس إلى بغداد ودمشق والقاهرة وفاس وغيرها من الحواضر الإسلامية التي احتضنت الجميع دون تمييز.
إن ربط الإسلام بالصراع والعنف هو اختزال ظالم ومتعمد يتجاهل صفحات مشرقة من التاريخ الإنساني شهد فيها العالم كيف أسهمت الحضارة الإسلامية في نشر العلم والمعرفة والسلام بين الأمم والشعوب.
التعايش مع اليهود والمسيحيين وأي شعبٍ كان: نموذج واقعي لا شعارات
لم يكن التعايش الإسلامي-اليهودي-المسيحي مجرد شعار نظري بل ممارسة عملية تجلت عبر قرون طويلة. ففي ظل الحكم الإسلامي تمتع غير المسلمين بحقوق المواطنة الكاملة وحظوا بالحماية القانونية والاجتماعية والدينية. وقد ساهم علماء ومفكرون يهود ومسيحيون بشكل فاعل في النهضة العلمية والفكرية للحضارة الإسلامية دون أن يشعروا بأي اضطهاد ديني أو ثقافي.
هذا النموذج الحضاري للتعدد والتسامح يمثل اليوم مرجعية أخلاقية وسياسية يمكن البناء عليها لمواجهة موجات التعصب والكراهية التي تهدد السلم الأهلي العالمي.
لكن في عالم اليوم، أصبح الإسلام ضحية لتشويه إعلامي ممنهج. تتحدث العناوين عن العنف، وتستغل السياسة الدين، ويسيء المتطرفون استعماله.
الإسلام ضحية لتشويه إعلامي ممنهج: تحديات الواقع ومسؤوليات المرحلة
رغم وضوح رسالة الإسلام الإنسانية إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد حملات إعلامية ممنهجة تربطه بالتطرف والإرهاب والعنف المنظم. هذه الحملات تستثمر أحداثًا فردية أو جماعات هامشية لتعميم صورة سلبية عن مليار ونصف مسلم حول العالم، متجاهلة السياقات السياسية والاجتماعية المعقدة وراء تلك الظواهر الشاذة.
لقد أصبحت بعض وسائل الاعلام الغربية وبعض المنصات الدولية شريكًا موضوعيًا – بقصد أو بغير قصد – في ترسيخ الصور النمطية المغلوطة عن المسلمين والإسلام ذاته؛ ما أدى إلى ارتفاع معدلات الكراهية والتمييز ضد الجاليات المسلمة ودفع الأبرياء ثمن هذا الربط الجائر بين الدين وأفعال بعض البشر المنحرفين عن تعاليمه الأصيلة.
مسؤولية الإعلام الإسلامي: ضرورة عصرية ورؤية استراتيجية
في مواجهة هذه التحديات المتراكبة تبرز الحاجة الملحة لإعلام إسلامي مشترك عصري قادر على نقل القيم والمبادئ الحقيقية للإسلام للعالم أجمع بصورة علمية وموضوعية وجذابة بعيداً عن الانفعال وردود الفعل العاطفية المؤقتة. إن مهمة الإعلام ليست دفاعاً سلبياً بل هجوم معرفي وثقافي إيجابي يعيد الاعتبار للهوِّيَّة ويصحح المفاهيم المغلوطة ويقدم صورة ناصعة عن الإسلام وكافة الاديان السماوية كما جاء به النبي محمد والرسل وكما طبقه المسلمون الأوائل عملياً عبر العصور المختلفة.
بناء تحالفات استراتيجية مع الإعلام الدولي لنشر التفاهم المشترك
لا يمكن للإعلام الإسلامي أن يعمل بمعزل عن البيئة الدولية المعقدة والمتشابكة؛ لذا فإن بناء تحالفات استراتيجية مع وسائل ومنصات إعلام دوليّة يُعد خياراً استراتيجياً لنشر خطاب مشترك يقوم على احترام الآخر ونبذ الكراهية وتعزيز ثقافة الحوار والانفتاح المتبادل. هذه التحالفات يجب أن تقوم على مبادئ المهنية والشفافية وقبول الاختلاف الثقافي والديني كأساس لبناء مجتمع عالمي أكثر عدلاً وسلاماً.
دور المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام ICCSSM واتحاد “يونا”: منصة تنوير وتواصل عالمي
يلعب المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام (ICCSSM) واتحاد وكالات أنباء منظمة التعاون الإسلامي “يونا” دورًا محوريًا كمؤسسات قادرة على تحويل الخطاب الإعلامي الإسلامي إلى منصة تنوير عالميا تتجاوز حدود الدفاع التقليدي نحو صناعة رأى عام دولى داعم لقضايا العدالة والسلام والتسامح.
إيمان هذين الكيانين بأن المستقبل للإعلام الذي يحمل رسالة السلام لا الصراع يجعل منهما ركيزة أساسية لأي مشروع استراتيجي يروم إعادة تعريف العلاقة بين الشرق والغرب وبين أتباع الديانة السماوية كافة.
الإسلام دين التسامح والرحمة ورسالة احترام الإنسان
جوهر الرسالة المحمدیّة یكمن فی الدعوة لاحترام الإنسان وصیانة كرامته بغض النظر عن انتمائه الدینى أو خلفيته الثقافیّة والاجتماعیّة؛ فالقرآن يؤكد مراراً وحدة الأصل الإنساني ويدعو للاعتراف بالاختلاف باعتباره سنة كونية:{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا} (الحجرات:13).
هذه المبادئ تشكل الأساس الأخلاقي والسياسي لأي خطاب إعلامی يسعى لتعزيز السلم الأهلي العالمي وبناء مجتمعات قائمة علی العدالة الاجتماعية واحترام الحقوق والحريات الأساسية للجميع.
ربط التطرف بالديانات السماوية وليس بالبشر: خطأ منهجي وخطر سياسي
إن محاولة إلصاق التطرف بأي ديانة سماوية هو خطأ منهجي فادح وخطر سياسي داهم؛ لأن كل نص مقدس يدعو أصلاً للخير والمحبة والسلام بينما ينشأ التطرف نتيجة عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية مركبة ولا علاقة له بجوهر العقيدة نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية الخطاب الاعلامی الذكي الذي يفصل بین النصوص المقدسة وسلوك بعض المنتسبین للأدیان ویرفض تعميم الأحكام علی الجماعات بسبب أخطاء أفراد قلائل خرجوا علی روح التعالیم السمحة لأدیانهم جميعا.
دور رابطة العالم الاسلامی ونموذج التعايش المشترك عبر التاريخ
تشكل رابطة العالم الاسلامی نموذجاً مؤسسياً بارزاً للعمل الاسلامی الجامع الهادف لتعزيز الحوار بین أتباع الأدیان والثقافات المختلفة وإطلاق مبادرات نوعیه لترسیخ قيم التسامح والانفتاح ومحاربة مظاهر العنصرية والكراهیه بكافة أشكالها وتجلياتها المعاصرة.
وقد نجحت الرابطة خلال السنوات الماضية فی إطلاق برامج حوار حضاری واسعة النطاق جمعت رجال دین وفكر وإعلاميين من مختلف أنحاء العالم بهدف بناء أرضیات مشتركة للتعاون الإنساني وتحقيق الأمن والاستقرار الدوليين بعیداََعن صدام الهويات والصراعات العبثيه باسم الدين زورا وبهتانَاََ .
الثمن الذي يدفعه الأبرياء نتيجة ربط العنف بالكراهیه
إن استمرار الربط الخاطئ بین العنف والكراهيہ بالدین یؤدى دائماً لدفع الأبریاء ثمناً باھظا سواء كانوا مسلمين أم غیر مسلمين ؛ إذ یتعرض الملايين لحملات تشویه وتمیز واضطهاد مباشر وغیر مباشر نتیجة لصورة مغلوطة صنعتھا آلة اعلامیه ضخمه تبحث غالباُ عن الإثاره بدلاً من البحث الموضوعى والتحلیل العلمى الرصین.
وهذا الواقع یفرض تحدیاً اخلاقیاً وسیاسیاً جدیدا علی جمیع المؤسسات الاعلامیه والمسؤولین عنها لوضع حد لهذه الظاهرة التى تهدد السلم الأهلى والأمنی الاجتماعی فى المجتمعات متعددة الثقافات والأدیان .
التوصيات العملية للإعلام الإسلامي ودوره المستقبلي
1- تطوير محتوى إعلام إسلامى حديث يستند الى القيم القرآنية والسنة النبوئية ويرتكز الى المهنية العالية فى نقل الحقائق وتحليل الأحداث بعيدآعن الانفعال وردود الفعل الوقتيه .
2- تعزيز التعاون المؤسسى والشخصى بین المؤسسات الاعلاميه الاسلاميه والمؤسسات الدوليه ذات التأثير الواسع لبناء منصہ حوار عالمی حقیقی قائم علي الاحترام المتبادل وقبول التنوع الانسانى .
3- الاستثمار فى تدريب وتأهيل كوادر اعلاميه اسلاميه قادرة علي مخاطبة العقل الغربي بلغاته وأساليبه الحديثة بما يكفل إيصال الصورة الصحيحة للاسلام والمسلمين للعالم اجمع .
4- دعم المبادرات النوعیه التى تطلقها كيانات مثل المركز الدولى للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام ICCSSM ورابطة العالم الاسلامى واتحاد “يونَا” بوصفها منصَّات عمل جماعى مؤثر قادر علي احداث فرق حقيقى فى وعي الجميع ومستقبل علاقاتھما بالعالم الخارجىي .
5 – دعوة وسائل الاعلام العالمية لاعتماد نهج اكثر مهنية وانصافآ عند تناول قضايا المسلمين وعدم الوقوع فى فخاخ الصور النمطیہ او تبني سردیات احادية الجانب تخدم اجندآت سياسية ضيقة .
6 – التأكيد المستمر ان الاسلام يحمل رسالة سلام وعدل وتسامح لكل البشرية ، وان الاسلام الحقيقي دین سلام لا صراع ودين عدل لا ظلم ودين تعايش لا اقصاء او تفرقة.
7 – التأكيد أن هناك علماء ومفكرون وعقلاء واعلاميون دائماً سينهضون من بين الانقاض حاملين رسالة التسامح الذي دعا اليها الاسلام والديانات السماوية من اجل عيش مشترك يحمي الامم والشعوب.
من هذا المنطلق يقترح المركز الدولي ICCSSM انه يجب على الإعلام الإسلامي أن يكون قائدًا لا تابعًا، وأن يلتزم بما يلي:
تقديم رسالة الإسلام بفخرٍ ووضوحٍ وتواضع.
فضح كل محاولات استغلال الدين في الحرب والكراهية.
بناء تحالفات استراتيجية مع الإعلام الدولي لنشر التفاهم المشترك.
إعادة تعريف الرسالة الجوهرية: نحو خطاب استباقي فاعل.
بناء تحالفات إعلامية عبر الحدود.
تأسيس وحدات “السلام والحوار” داخل المؤسسات الإعلامية.
تدريب جيل جديد من الصحفيين على الاتصال الاستراتيجي.
توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي الأخلاقي في إنتاج المحتوى.
للإعلام العالمي:
إتاحة المساحة للأصوات الإسلامية المعتدلة.
الشراكة مع مراكز الفكر المستقلة مثل ICCSSM.
إطلاق حملات مشتركة لقضايا عالمية (لاجئين، فقر، تسامح).
مكافحة خطاب الكراهية عبر مواثيق إعلامية ملزمة.
رؤية المركز ICCSSM: من لندن إلى العالم، يعمل المركز على:
بناء منصة استراتيجية للحوار الدولي.
دمج الدبلوماسية والإعلام والذكاء الاصطناعي في خدمة الفهم المتبادل.
تأسيس تحالفات طويلة الأمد مع مؤسسات إسلامية وعالمية لصناعة السلام.
ختاماً… يقف الاعلام الاسلامي اليوم امام اختبار تاريخيي عسير، لكنه يمتلك كل المقومات ليكون منصة عالميۃ للتنوير وبناء الثقة وتعزيز قيم السلام والتفاهم المشترك. ويبقى الرهان الأكبر علۍ قدرة المؤسسات القياديۃ مثل ICCSSM ورابطة العالم الاسلامې واتحاد يونَا وكل العاملين المخلصين بهذا المجال علۍ تحويل هذا الطموح الى واقع ملموس يخدم الانسان أينما كان ويحفظ له حق الحياة بكرامة وسكينة ضمن منظومة انسانيۃ عادلة ومتوازنه .
صادر عن المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام – لندن (ICCSSM) | 2025

