تحليل استراتيجي من مركز /ICCSSM – لندن/ لأداء جامعة الدول العربية نحو خارطة طريق لأحياء الفاعلية العربية
مقدمة: دور عربي تاريخي يترنح بين الطموح والعجز
تُعد جامعة الدول العربية أقدم منظمة إقليمية قامت بعد الحرب العالمية الثانية، إذ تأسست في 22 مارس 1945 بعضوية سبع دول عربية (مصر، سوريا، السعودية، شرق الأردن –الأردن لاحقًا–، لبنان، العراق واليمن) قبل أن يتوسع عدد الأعضاء لاحقًا إلى 22 دولة. وقد نشأت الجامعة لتحقيق التنسيق والتقارب بين الدول العربية والحفاظ على استقلالها وسيادتها. على مدى عقود، ساهمت الجامعة في مجالات فنية واجتماعية عديدة، مثل صياغة المناهج الدراسية المشتركة والنهوض بدور المرأة ورعاية الطفولة والحفاظ على التراث الثقافي. رغم ذلك، كثيرًا ما تُوجَّه الانتقادات إلى الجامعة لفشلها في حل الأزمات العربية الكبرى وتراجع فعاليتها السياسية. يعزو محللون ذلك إلى عوامل عدة متراكمة، منها هيكلها التنظيمي وضعف صلاحياتها التنفيذية والتزامها الصارم بمبدأ الإجماع الذي قيّد قدرتها على التحرك، إضافة إلى تدخلات وتجاذبات إقليمية بين أعضائها، وضعف الموارد المالية المرصودة لها.
هذا التقرير يسلّط الضوء بشكل دبلوماسي وموثَّق على أداء جامعة الدول العربية عبر المحاور الرئيسية التالية: دور الجامعة في الأزمات العربية الكبرى، أسباب الإخفاق المؤسسي، ميزانية الجامعة وتمويلها، مقارنة بدورها مع منظمات إقليمية أخرى، نصوص الميثاق التي تقيّد فعاليتها، علاقات الجامعة الدولية، وأخيرًا دور المجتمع المدني والمراكز الفكرية الغائب في عمل الجامعة. وفي الختام، نشير إلى رؤى مركز ICCSSM – لندن بوصفه مؤسسة فكرية مستقلة قادرة على اقتراح بدائل عملية تسهم في إصلاح العمل العربي المشترك.
دور الجامعة في الأزمات والنزاعات العربية الكبرى
على مدى تاريخها، واجهت جامعة الدول العربية سلسلة من الأزمات والنزاعات الكبرى في المنطقة. أدناه تقييم موجز لدور الجامعة في أبرز تلك القضايا:
القضية الفلسطينية: تُمثّل فلسطين القضية المركزية للجامعة منذ تأسيسها. دعمت الجامعة حق الفلسطينيين في المحافل الدولية وأنشأت صندوقًا ماليًا ولجانًا مخصصة للقضية. تبنّت مبادرة السلام العربية عام 2002 التي اقترحت حل الدولتين مقابل التطبيع مع إسرائيل. إلا أن دور الجامعة بقي سياسيًا ودعائيًا بالأساس؛ فهي تفتقر لأدوات ضغط حقيقية على إسرائيل أو رعاة عملية السلام. في السنوات الأخيرة، عجزت الجامعة حتى عن اتخاذ موقف حازم حيال موجة التطبيع الفردي كما لم تستطع فرض تنفيذ مبادرة السلام العربية ذاتها. بالتالي، يقتصر تأثير الجامعة على إصدار القرارات بالإجماع حول حقوق الشعب الفلسطيني دون آليات تنفيذية فعلية على الأرض.
الأزمة السورية: شهدت الجامعة انخراطًا غير مسبوق في بدايات الأزمة السورية عام 2011. فقد علّقت عضوية سوريا في نوفمبر 2011 كرد فعل على قمع الاحتجاجات، وأرسلت بعثة مراقبين عربية إلى سوريا أواخر ذلك العام لمتابعة تنفيذ مبادرة وقف العنف، لكن تلك البعثة اصطدمت بظروف ميدانية صعبة وانسحبت سريعًا. لاحقًا عينت الجامعة بالشراكة مع الأمم المتحدة مبعوثين دوليين (كعنصر مشترك) مثل كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي لمحاولة التوسط. كما استضافت اجتماعًا للمعارضة السورية في القاهرة عام 2012 أسفر عن وثائق سياسية هامة لرؤية المرحلة الانتقالية. وأسهمت الجامعة في إيصال الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي وشاركت في تنظيم جولات مفاوضات جنيف بين النظام والمعارضة. غير أنّ هذا الزخم ما لبث أن تراجع بعد عام 2013 إثر تغير مواقف بعض الدول العربية الرئيسية وتصاعد الانقسام الخليجي. عمليًا، وجدت الجامعة نفسها عاجزة عن حلّ الصراع السوري طويل الأمد، إلى أن اضطرت عام 2023 إلى إعادة مقعد سوريا بقرار جماعي رغم غياب حل سياسي شامل، وذلك تحت ضغط واقع استمرار النظام وبهدف تنسيق الجهود العربية مع دمشق في قضايا اللاجئين وتهريب المخدرات. خطوة إعادة سوريا عكست أولوية براغماتية لدى الدول العربية للتطبيع مع الأمر الواقع، رغم انتقادات غربية لهذا التوجه.
الأزمة اليمنية: أيدت الجامعة الحكومة اليمنية الشرعية في مواجهة انقلاب جماعة الحوثيين عام 2014–2015، وأصدرت قرارات تؤكد وحدة اليمن ورفض التدخلات الخارجية. خلال قمة شرم الشيخ 2015، أُعلن عن تشكيل قوة عربية مشتركة للتدخل السريع في الأزمات الإقليمية، وجاء ذلك بالتزامن مع إطلاق تحالف عسكري عربي تقوده السعودية لدعم الشرعية في اليمن. غير أن تلك القوة المشتركة لم تتبلور على أرض الواقع نتيجة تباين مواقف الدول الأعضاء. اقتصر إسهام الجامعة في الأزمة اليمنية على الدعم السياسي لمبادرات الحل الأممية ولجهود الوساطة الخليجية، دون دور ميداني مباشر. ورغم الكارثة الإنسانية في اليمن، ظلّت تحركات الجامعة رمزية (كتشكيل لجان وزارية أو الدعوة لهدنة) بينما المبادرات الحاسمة قادتها الأمم المتحدة والدول الكبرى بشكل منفرد. هذا القصور دفع مراقبين لوصف الجامعة بأنها عاجزة عن معالجة الحروب الأهلية النشطة مثل اليمن، حيث تجاوزت الأحداث قدراتها البسيطة.
الأزمة الليبية: مثّل الموقف العربي من ليبيا عام 2011 نقطة فارقة، إذ طالبت الجامعة مجلس الأمن بفرض حظر جوي لحماية المدنيين الليبيين من عمليات نظام القذافي. وفعلاً ساهم هذا الطلب غير المسبوق في صدور القرار الأممي 1973 وتدخل حلف الناتو – الأمر الذي اعتُبر دليلًا على أن دعم الجامعة كان ضروريًا لكسب شرعية دولية للتدخل. علّقت الجامعة عضوية نظام القذافي واعترفت ضمنيًا بالمعارضة (المجلس الوطني الانتقالي) عبر فتح قنوات اتصال معه. لكن في مرحلة ما بعد القذافي، وجدت الجامعة نفسها أمام مشهد انقسام داخلي حاد في ليبيا وتدخلات إقليمية متضاربة. دعمت الجامعة خارطة الطريق الأممية والحكومات الانتقالية المعترَف بها، وشكّلت أحيانًا مجموعات اتصال وزارية عربية لمتابعة الشأن الليبي. إلا أنّ الصراع بين محاور عربية مختلفة (دعم بعض الدول لحكومة طرابلس مقابل دعم أخرى لقوات شرق ليبيا) شلَّ قدرة الجامعة على تبنّي مبادرة فعالة موحّدة. وهكذا بقي الدور الريادي لتسوية الأزمة بيد الأمم المتحدة بمساندة قوى دولية وإقليمية خارج إطار الجامعة. وتُعد الحالة الليبية مثالًا على افتقار الجامعة لأدوات التأثير عندما تنقسم دولها الأعضاء فيما بينها.
الأزمة السودانية: اضطلعت الجامعة تاريخيًا بدور محدود في السودان مقارنة بالاتحاد الإفريقي. خلال حرب الشمال والجنوب انتهجت الجامعة دعم وحدة السودان دون مبادرات تفصيلية، فكان اتفاق السلام الشامل 2005 ثم استقلال جنوب السودان 2011 بإشراف إقليمي/دولي خارج نطاق الجامعة. وفي أزمة دارفور 2003–2008، التزمت الجامعة موقف المراقب إلى حد كبير مع بعض الدعم الإنساني، بينما تولى الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة جهود الوساطة ونشر قوات حفظ السلام. أما مؤخرًا في الصراع الداخلي 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، فقد دعت الجامعة إلى وقف فوري لإطلاق النار وأوفدت الأمين العام أحمد أبو الغيط لحضور اجتماعات طارئة. أبدت الدول العربية تضامنها مع السودان في القمم الأخيرة ودعمت إعلان جدة لوقف القتال برعاية سعودية وأمريكية. ومع ذلك، ظل تأثير الجامعة محدودًا عمليًا، إذ لم تتجاوز مواقفها حدود الدعوات والمناشدات، بينما تقود دول مجاورة (كمصر والسعودية) والاتحاد الإفريقي الجهود الفعلية للوساطة على الأرض. تعكس الحالة السودانية مرة أخرى أن الجامعة لا تملك أدوات فعلية لفض النزاعات المسلحة بين الأطراف المحلية، سوى إصدار البيانات ودعم الوساطات الخارجية.
الأزمة اللبنانية: لعبت الجامعة دورًا متواضعًا ومتقطعًا في أزمات لبنان. خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) سعت الجامعة عبر لجان وزارية إلى وقف القتال وإطلاق حوارات وطنية. ورعت نظريًا مؤتمر المصالحة في مدينة الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب، لكن واقع الأمر أن الدول النافذة (سوريا والسعودية) هي من قادت التسوية برعاية الجامعة شكليًا. بعد ذلك، شاركت الجامعة في مراقبة تنفيذ اتفاق الطائف بإرسال قوات ردع عربية (معظمها سورية) لفترة محدودة. وفي أزمة مايو 2008 (اشتباكات بيروت بين الفرقاء اللبنانيين)، توسطت قطر ضمن إطار الجامعة للوصول إلى اتفاق الدوحة الذي أنهى الأزمة السياسية آنذاك. يعتبر اتفاق الدوحة نجاحًا نسبياً نادرًا للجامعة في حل خلاف لبناني، لكنه تحقق بجهود دولة عضو (قطر) وبالتنسيق مع قوى إقليمية أخرى. حاليًا، يقتصر دور الجامعة في أزمات لبنان (مثل الفراغ الرئاسي أو الانهيار الاقتصادي) على حث السياسيين اللبنانيين على التوافق وتقديم دعم معنوي، دون قدرة على فرض حلول. وفي كل الأحوال، نجاحات الجامعة القليلة في تسوية نزاعات عربية كانت مشروطة بقبول الأطراف المتنازعة وتوافق القوى العربية المؤثرة، وهي شروط نادرًا ما تجتمع.
باختصار، أظهرت الجامعة العربية أداءً متباينًا في مواجهة الأزمات العربية. نجاحاتها كانت محدودة ونسبية (كما في دعم استقلال الجزائر وعمان وجنوب اليمن سابقًا، أو رعاية اتفاق الطائف واتفاق الدوحة)، في حين كانت إخفاقاتها أو عجزها أكثر بروزًا في الأزمات المستفحلة (فلسطين، سوريا، اليمن، ليبيا وغيرها). ومرد ذلك، كما سيتضح أدناه، إلى مثالب هيكلية وسياسية صاحبت عمل الجامعة منذ تأسيسها.
أسباب الإخفاق المؤسسي في أداء الجامعة
يرجع المراقبون ضعف أداء جامعة الدول العربية إلى جملة من العوامل المؤسسية والبنيوية المزمنة التي قيّدت فعاليتها. فيما يلي أبرز هذه الأسباب:
- ضعف البنية التنظيمية وغياب السلطة التنفيذية: صُمِّمت الجامعة منذ بدايتها كإطار تعاوني بين دول ذات سيادة مطلقة، فاقتصر هيكلها الرئيسي على مجلس الجامعة (وزراء الخارجية أو الممثلين) والأمانة العامة كجهاز إداري. لا توجد في المنظومة العربية سلطة تنفيذية عليا تتمتع بصلاحيات فوق وطنية كتلك التي يتمتع بها المفوضون في الاتحاد الأوروبي مثلا. الأمين العام للجامعة يفتقر إلى تفويض لفرض قرارات أو متابعتها ميدانيًا دون توافق سياسي بين الدول. كما لا تملك الجامعة قوات حفظ سلام أو ذراعًا أمنيًا/عسكريًا لتنفيذ قراراتها (باستثناء قوة رمزية أنشئت في السبعينات في لبنان ولم تستمر). هذا الهيكل المحدود جعل الجامعة جهازًا بيروقراطيًا هشًا أكثر منه منظمة قادرة على التحرك. وقد اعترفت قيادات الجامعة بهذا الضعف؛ فمثلًا أشار الأمين العام أحمد أبو الغيط عام 2017 إلى أن الجامعة لا تستطيع “القيام بأشياء عظيمة” طالما إمكاناتها المادية والتنظيمية متواضعة للغاية.
- التوافقية المفرطة وآلية اتخاذ القرار: يعتمد نظام التصويت في مجلس الجامعة على الإجماع أو شبه الإجماع في القرارات المصيرية. تاريخيًا، اشترط ميثاق الجامعة في مادته السادسة أن تكون قرارات المجلس بالإجماع في المسائل المهمة، مع إمكانية صدور القرارات بالأغلبية في المسائل الإجرائية. الأهم أن الميثاق نصّ صراحة على أن الدول التي تعترض على أي قرار لا تُلزَم بتنفيذه. هذا يعني أن عمل الجامعة محكوم فعليًا بإرادة أدنى دولة عضو استعدادًا للتعاون. وقد أثبتت التجربة العملية أن اشتراط الإجماع عقّد عملية صنع القرار وجعلها عرضة للشلل، إذ نادرًا ما تتفق كل الدول على موقف قوي حيال قضية خلافية. وحتى عند اعتماد التصويت بالأغلبية في بعض الحالات، فإن انسحاب أو امتناع الدول المعارضة يجعل القرار عديم المعنى لكونها غير ملتزمة به. لقد تركت هذه الآلية فجوة تُعرف بـ”فجوة الالتزام”، حيث لا توجد أداة تلزم الدول جماعيًا بتنفيذ ما تقرره الأغلبية. وبذلك باتت إرادة الدولة القُطرية تعلو على إرادة الجامعة المشتركة دومًا، مما قوّض هيبة القرارات العربية المشتركة. مثال بارز على ذلك ظهر في قمة الجامعة الطارئة عام 1990 بعد غزو العراق للكويت؛ فبالرغم من صدور قرار بأغلبية الدول لإرسال قوات عربية لحماية السعودية وتحرير الكويت، رفضت عدة دول القرار أو امتنعت عن تنفيذه، وانتهى الأمر بتدخل تقوده الأمم المتحدة والقوى الكبرى لتحرير الكويت.
- الاعتبارات السيادية ومبدأ عدم التدخل: كرّس ميثاق الجامعة في ديباجته ومادته الثامنة احترام سيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقد جاء ذلك انعكاسًا لهواجس الدول المؤسسة الحريصة على استقلالها الحديث آنذاك. نتيجةً لذلك، يُقيّد الميثاق تدخل الجامعة في النزاعات الداخلية أو بين دولتين عربيتين إلا بطلب وموافقة الأطراف المعنية. المادة الخامسة من الميثاق تشترط لجوء الدول المتخاصمة إلى مجلس الجامعة طوعًا وبتراضيها، وحظرت على المجلس البت في أي نزاع دون هذا التراضي. وبالفعل، نادرًا ما أحالت الدول العربية خلافاتها الثنائية إلى الجامعة، مفضلة إما حلّها ثنائيًا أو اللجوء لقوى خارجية أو إبقائها مجمدة. أضف إلى ذلك غياب أي آلية تحكيم إجباري أو قوة فصل لدى الجامعة، مما جعلها عاجزة قانونيًا عن فرض حلول على نزاعات بينية كالحروب الأهلية (لبنان واليمن مثلًا) أو الخلافات الحدودية، إلا إذا توافقت الإرادات السياسية للدول أطراف النزاع. ويُعزى هذا القصور إلى ما يسميه الباحثون عُقدةWestphalian (وستفاليا) في النظام العربي، أي تغليب سيادة الدولة القُطرية المطلقة على أي اعتبارات جماعية. ورغم التطورات العالمية التي قلّصت مفهوم السيادة المطلقة (كالتدخل الإنساني لحماية المدنيين مثلًا)، بقيت الجامعة متمسكة بإطار عدم التدخل، مما حدّ من فعاليتها في أزمات داخلية كأزمة ليبيا أو حرب سوريا التي اعتبرها كثيرون شأنًا سياديًا لكل دولة قبل أن تستفحل.
- التدخلات الإقليمية والانقسامات السياسية بين الأعضاء: تعرّضت الجامعة منذ الخمسينات لضغوط التجاذبات بين محاور عربية متنافسة وأحيانًا تدخل قوى إقليمية غير عربية. خلال الحرب الباردة، انقسم العرب إلى محور تقدمي جمهوري مقابل محور ملكي محافظ، مما انعكس على قرارات الجامعة وشلّ توافقها في محطات عديدة. تفاقم الأمر مع تراكم الخلافات البينية (مثل خلافات المغرب والجزائر في الستينات، والانشقاق العربي إثر صلح مصر مع إسرائيل 1979، وأخيرًا الانقسام الخليجي 2017). هذه الانقسامات أدت إلى ظهور محاور داخل الجامعة تتصارع على النفوذ، كالمحور الذي قادته قطر داعمًا لتيارات “الربيع العربي” مقابل محور تقوده السعودية يخشى الاضطرابات. وبدلًا من أن تكون الجامعة إطارًا لحل الخلافات العربية، أصبحت أحيانًا ساحة انعكاس لهذه الخلافات. وقد استغلّت بعض الدول حالة الضعف والفراغ القيادي في الجامعة لبسط نفوذها على قراراتها أو تعطيلها إذا تعارضت مع مصالحها. ومثال ذلك تعطيل إنشاء القوة العربية المشتركة بسبب تحفظ دول كمثل العراق والجزائر ولبنان خشية أن تُستغل ضد حلفائها. كذلك أدت المحاور المتصارعة في ليبيا وسوريا واليمن إلى شلل قراراتي، حيث تسعى كل مجموعة دول إلى منع صدور قرار ضد حليفها المحلي. كما أن تدخل قوى إقليمية مجاورة – كإيران وتركيا وإسرائيل – في شؤون بعض الدول العربية عمّق الانقسام العربي حول كيفية التعامل معها. هذه الحالة جعلت الصورة العامة أن الجامعة تعاني غيابًا للوحدة السياسية في الرؤى والأهداف، فتتضاءل قدرتها على الفعل الجماعي المنسق.
- ضعف الموارد المالية والتمويل: تعكس ميزانية الجامعة المحدودة عجزها عن تطوير قدراتها المؤسسية. فبحسب التقارير، ارتفع ميزانية الأمانة العامة للجامعة من نحو 26 مليون دولار عام 1999 إلى 50 مليون عام 2010 ثم 62 مليون دولار في 2018. ورغم هذا النمو النسبي، تبقى هذه الأرقام متواضعة جدًا مقارنة بمنظمات إقليمية أخرى (كما سيأتي أدناه). تعتمد الجامعة كليًا في تمويلها على مساهمات الأعضاء وفق نسب مُقررة بالتوافق (تأخذ بالاعتبار حصة كل دولة في ميزانية الأمم المتحدة مع وضع حد أقصى وحد أدنى للمساهمة). عمليًا، لم تلتزم العديد من الدول بسداد حصصها في الوقت المحدد، فتراكمت المتأخرات مما أدخل الجامعة في أزمات مالية متكررة. ففي عام 2017 مثلًا، لم تتلقَ الأمانة العامة سوى 23% من ميزانيتها بحلول منتصف العام بسبب تخلف الدول عن الدفع، ولم تغطِّ الدول سوى 44% من الميزانية المقررة لعام 2016. وبلغت المتأخرات المتراكمة على الأعضاء حوالي 100 مليون دولار بحلول 2017. هذا الوضع اضطُرّ الأمين العام إلى استعمال احتياطيات الأمانة والاقتراض لتسديد رواتب الموظفين وتسيير النفقات الأساسية. ويُذكر أن أبو الغيط ناشد علنًا العواصم العربية عام 2017 قائلا أن الدول العربية مجموع ناتجها المحلي 2.3 تريليون دولار، والمطلوب فقط 120 مليون دولار لتمويل منظومة العمل العربي المشترك بكاملها. وكشف أحد مساعديه حينها أن الرقم الإجمالي يتضمن 60 مليون دولار لميزانية الجامعة ذاتها و60 مليونًا أخرى للمنظمات العربية المتخصصة (كالتربية والثقافة والإعلام). هذه الأرقام تبرز ضآلة الإنفاق العربي المشترك؛ فالجامعة بالكاد تؤمّن رواتب كوادرها وبرامجها التشغيلية الأساسية. ولا ريب أن محدودية التمويل أدت إلى قلة برامج ومشاريع الجامعة على الأرض، واعتمادها شبه الكامل على تبرعات الدول الكبرى عندما يتعلق الأمر بأي مبادرات كبيرة. ويُرجع بعض الخبراء ضعف التمويل إلى غياب الإرادة السياسية لدى الحكومات لتعزيز عمل الجامعة، بل ربما تعمّد بعض الدول خنق ميزانية الجامعة نكاية بمواقف سياسية. والنتيجة هي دائرة مفرغة: تمويل هزيل يؤدي إلى أداء باهت، وأداء ضعيف يدفع الدول إلى إحجام أكبر عن تمويل مؤسسة يعتبرونها غير فعالة.
في المحصلة، تضافرت هذه العوامل لتُنتج ما يمكن وصفه بـالإخفاق المؤسسي المزمن لجامعة الدول العربية. فبرغم النوايا المعلنة للوحدة والتضامن، تغلب الاعتبارات السيادية القُطرية والقيود البُنيوية على العمل الجماعي. ويُضاف إلى ذلك تراجع الإرادة السياسية للإصلاح، حيث أخفقت محاولات عديدة لتعديل ميثاق الجامعة أو تطوير آلياتها بسبب اشتراط إجماع الدول على أي تعديل جوهري. وبالتالي استمرت الجامعة لعقود في أداء دور تنسيقي رمزي أكثر منه عملي حاسم، وبقيت قراراتها توصوية التأثير في معظم الأحيان.
مع ذلك، ورغم هذه الإخفاقات، يجادل كثيرون بأن الجامعة تظل إطارًا لا غنى عنه للعمل العربي ولو في حده الأدنى، باعتبارها المظلة المؤسسية الوحيدة التي تجمع كل الدول العربية. هذا ما سنناقشه في الأقسام التالية عبر مقارنة دور الجامعة بمنظمات إقليمية أخرى، وقراءة نصوص الميثاق، والعلاقة مع المجتمع الدولي، وصولاً إلى بحث سبل تفعيل دورها مستقبلًا.
ميزانية الجامعة: مصادر التمويل وأوجه الإنفاق
تُعد ميزانية جامعة الدول العربية مؤشرًا هامًا لقدراتها العملية. وكما أسلفنا، تعتمد الجامعة على مساهمات مالية سنوية من الدول الأعضاء تغطي نفقاتها التشغيلية وبرامجها. يحدد مجلس الجامعة نسب مساهمة كل دولة بالتراضي، وغالبًا ما تتحمل الدول الكبرى اقتصاديًا القسط الأكبر. فعلى سبيل المثال، كانت مصر تاريخيًا تغطي نسبة عالية من الميزانية نظرًا لاستضافة المقر وكثرة الموظفين المصريين، ثم أصبحت السعودية في مقدمة المساهمين منذ العقد الماضي. لكن عدم انتظام السداد ظل مشكلة مستمرة – ففي بعض السنوات لم تدفع دول حصصها لعدة أعوام متوالية.
حجم الميزانية: بلغت الميزانية الأساسية للأمانة العامة نحو 60–65 مليون دولار سنويًا في أواخر العقد الثاني من القرن الحالي. بالإضافة إليها، هناك ميزانيات عدد من المنظمات العربية المتخصصة (مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “ألكسو”، والمنظمة العربية للطيران المدني، وغيرها) والتي تعمل تحت مظلة الجامعة لكنها تتمتع باستقلال نسبي. ووفق تصريحات الجامعة عام 2017، فإن إجمالي ما يلزم لمنظومة الجامعة وكافة منظماتها المتخصصة يبلغ قرابة 120 مليون دولار سنويًا. وهذا رقم ضئيل جدًا مقارنة بميزانيات منظمات إقليمية أخرى: فمثلًا الاتحاد الإفريقي اعتمد ميزانية حوالي 605 مليون دولار لعام 2024 (رغم أن معظمها بتمويل مانحين خارجيين)، والاتحاد الأوروبي أنفق في عام 2022 ما يقارب 170 مليار يورو (نحو 180 مليار دولار)، أما رابطة آسيان فميزانية أمانتها قرابة 20 مليون دولار فقط بسبب مبدأ التساهم المتساوي بين الدول الغنية والفقيرة. يتضح إذن أن إنفاق الجامعة العربية يقع في الحد الأدنى بين التجمعات الإقليمية – هو أعلى قليلاً من آسيان (التي تعتمد نمطًا مشابهًا في التمويل) لكنه بعيد جدًا عن حجم موارد الاتحاد الإفريقي أو الأوروبي.
مصادر التمويل: المصدر الوحيد هو الاشتراكات الحكومية. لا تمتلك الجامعة موارد ذاتية كالضرائب أو الرسوم الجمركية المشتركة (على خلاف الاتحاد الأوروبي مثلًا الذي لديه “موارد ذاتية” من تعريفات تجارية وغيرها). كما أن اعتمادها على مساهمات الحكومات فقط جعلها عرضة لتقلبات السياسة والاقتصاد في الدول الأعضاء. فمع تراجع أسعار النفط مثلًا عام 2015–2017، تأثرت قدرة بعض الدول الخليجية على السداد بالموعد. كذلك استخدمت بعض الدول ورقة التمويل للضغط السياسي داخل أروقة الجامعة – إما بحجب التمويل لإضعاف نشاط الأمانة العامة، أو بالتلويح بزيادة التمويل المشروط بتوجهات معينة. وقد أشار أبو الغيط إلى أنه “يمكننا إنجاز أمور عظيمة بالتعاون، لكن هذا لا يحدث على صعيد التمويل”، في انتقاد مبطّن لغياب روح الالتزام المالي المشترك.
أوجه الإنفاق: تُنفق غالبية ميزانية الجامعة على تكاليف التشغيل والإدارة: رواتب الموظفين (يبلغ عددهم عدة مئات في مقر الأمانة والفروع)، وصيانة المقر في القاهرة، وتمويل الاجتماعات الدورية (القمم السنوية، المجالس الوزارية، اللجان الفنية). كما تُمول بعض البرامج والأنشطة مثل المؤتمرات المتخصصة والدراسات وعمل البعثات والمراقبين العرب (مثال: بعثات مراقبة الانتخابات أحيانًا، أو لجنة المراقبين العرب إلى سوريا 2011 التي تحملت الجامعة تكاليفها جزئيًا). جزء آخر يذهب لدعم صناديق عربية مشتركة محدودة الحجم (كالصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية الذي تديره الجامعة). أما المشروعات التنموية الكبرى فتقوم بها مؤسسات مالية عربية مستقلة (كالصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي ومقره الكويت) خارج الميزانية التشغيلية للجامعة. ويمكن القول إن المصروفات تتوزع بين الرواتب/الإدارة (جزء أساسي) وبين الأنشطة والبرامج السياسية والاقتصادية العربية المشتركة (جزء أقل). وفي بعض الحالات الاستثنائية، تُخصص نفقات طارئة من الدول مباشرة لدعم مبادرات تحت رعاية الجامعة (مثال: تمويل بعض الدول لعملية المراقبين في دارفور بالسودان منتصف 2000م أو لجهود إعادة إعمار لبنان بعد 2006 عبر الجامعة).
التحديات المالية الحالية: تعاني الجامعة من عجز مزمن بسبب تراكم المستحقات غير المسددة. وقد بلغت الأزمة ذروتها عام 2017 حين لم تتمكن الأمانة من دفع رواتب موظفيها لعدة أشهر. اضطر الأمين العام وقتها لاستخدام الاحتياطي النقدي (حوالي 40 مليون دولار) واقتراض 2.5 مليون دولار لتغطية النفقات الأساسية. وعلى أثر ذلك، دار نقاش حاد بين الدول حول آلية توزيع المساهمات: إذ اقترحت بعض الدول الخليجية الغنية رفع حصصها بشكل طوعي مقابل تقليل حصص دول غير قادرة، بينما أصرت دول أخرى على التقيد بالنسب المتفق عليها لتفادي الهيمنة المالية. تم التوصل حينها إلى سقف مساهمة لا يتجاوز 14% وحد أدنى 1% لكل دولة. ومع أن هذه المعادلة ضمنت عدم تحكم دولة واحدة في تمويل الجامعة، إلا أنها أبقت سقف الميزانية منخفضًا. ويُؤمل مستقبلاً التفكير في حلول مبتكرة كإنشاء وقف مالي عربي لدعم أنشطة الجامعة، أو تحصيل نسبة مئوية رمزية من صناديق الثروة السيادية العربية الضخمة تخصص للعمل العربي المشترك. بدون تأمين تمويل مستدام وكافٍ، ستبقى مبادرات تطوير الجامعة وإصلاحها مجرد حبر على ورق بسبب عدم توفر الموارد اللازمة لتنفيذها.
مقارنة دور الجامعة بمنظمات إقليمية أخرى
لفهم موقع جامعة الدول العربية على خارطة العمل الإقليمي الجماعي، يجدر مقارنة بنيتها وإنجازاتها مع نماذج أخرى مثل الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الإفريقي، ورابطة آسيان في جنوب شرق آسيا. هذه المقارنة تبرز تباين النهج والفعالية بين الجامعة العربية وغيرها:
الاتحاد الأوروبي (EU): يُعد النموذج الأقوى للتكامل الإقليمي. نشأ بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع نزاعات أوروبا الداخلية عبر تنازل تدريجي عن السيادة القطرية لصالح مؤسسات اتحادية. يتميز الاتحاد الأوروبي بهيكل مؤسسي متين: مفوضية أوروبية ذات صلاحيات تنفيذية واسعة، برلمان أوروبي منتخب يمثل شعوب القارة، مجلس وزراء يقرر بسياسة الأغلبية المؤهلة في معظم المجالات (عدا السياسات الحساسة التي تتطلب الإجماع)، إضافة إلى محكمة عدل أوروبية تضمن التزام الدول الأعضاء بالقانون الموحد. هذا التكامل مكّن الاتحاد من إصدار تشريعات ملزمة لجميع الأعضاء وسياسات موحدة في الاقتصاد والتجارة والزراعة وغيرها. وعلى صعيد السياسة الخارجية والأمنية، ورغم استمرار حق الفيتو الوطني في القرارات الحساسة، استطاع الاتحاد تطوير سياسة خارجية وأمنية مشتركة إلى حد معقول، ونشر بعثات سلام ومراقبة أوروبية في عدة مناطق. الأهم أن لدى الاتحاد ميزانية ضخمة (حوالي 170 مليار يورو سنويًا مؤخرًا) تُموَّل من مساهمات الأعضاء وإيرادات ذاتية كالجمارك وضريبة القيمة المضافة الأوروبية. هذه الميزانية تُسخّر لبرامج تنموية كبرى في البنية التحتية والبحث العلمي ودعم المناطق الأفقر داخل الاتحاد. كما يمتلك الاتحاد صناديق للمساعدات الخارجية. كل ذلك يفوق بما لا يقاس إمكانات الجامعة العربية المالية والبشرية. نتيجة هذه المنظومة، نجح الاتحاد الأوروبي في تحقيق تكامل اقتصادي ونقدي (عملة اليورو مثلًا) حافظ على السلم بين دوله ومنحها ثقلًا جماعيًا في التفاوض الدولي. وبالطبع تبقى هناك خلافات بين الدول الأوروبية، لكنها تُدار ضمن الأطر المؤسسية ولا تؤدي لشلل الاتحاد. في المقابل، الجامعة العربية لا تملك سلطة فرض أي التزامات أو عقوبات على أعضائها، ولا يستطيع مجلسها اتخاذ قرار إلا بترضية الجميع تقريبًا، ما جعلها بعيدة جدًا عن نموذج الاتحاد الأوروبي الفاعل.
الاتحاد الإفريقي (AU): يُعتبر وريث منظمة الوحدة الإفريقية، وقد أعيد تأسيسه عام 2002 بمنظور أكثر تقدمًا للعمل القاري. ورغم الفارق في الموارد مقارنة بالاتحاد الأوروبي، إلا أن الاتحاد الإفريقي تبنّى إصلاحات مهمة يفتقدها نظيره العربي. فميثاق الاتحاد الإفريقي (مُعاهدة لومي ثم دربان) يتضمن مبدأ عدم التسامح مع التغييرات غير الدستورية للحكومات، مما أعطى الاتحاد صلاحية تجميد عضوية أي دولة يحدث فيها انقلاب عسكري – وهو ما طُبق مرارًا (مثل تجميد مصر 2013 والسودان 2021 مؤقتًا). كما أن لدى الاتحاد الإفريقي مجلس للسلم والأمن يعمل على مدار العام (يشبه مجلس الأمن الدولي مصغّر) يتخذ قرارات بالأغلبية حول إرسال بعثات وساطة أو قوات حفظ سلام إفريقية. بالفعل نشر الاتحاد قوات في نزاعات مثل الصومال (قوة أميصوم) ووسط إفريقيا ومالي، بتمويل إفريقي ودولي مشترك. إضافة لذلك، يضم الاتحاد مؤسسات تشريعية واستشارية (برلمان عموم إفريقيا، ومحكمة عدل إفريقية – وإن كانت محدودة الاختصاص). هذه التطورات أوجدت هيكلًا أكثر مرونة وقدرة على التحرك جماعيًا في القارة السمراء مقارنة بالجامعة العربية. فمن حيث آلية اتخاذ القرار، يعتمد الاتحاد الإفريقي مزيجًا من الأغلبية والتوافق، لكنه لا يشترط الإجماع المطلق، وبالتالي غالبًا ما تمر القرارات حتى لو اعترضت بعض الدول. ورغم استمرار تأثير القوى الكبرى إفريقيًا (كنيجيريا وجنوب إفريقيا ومصر) في توجيه القرار، إلا أن وجود إطار مؤسسي أقوى قلل من الشلل. على صعيد الميزانية، تبلغ ميزانية الاتحاد الإفريقي السنوية حوالي 600 مليون دولار كما أسلفنا، يُموَّل جزء كبير منها عبر شركاء دوليين (الاتحاد الأوروبي وشركاء آخرين يمولون ما يقارب 60% من البرامج) بسبب عجز غالبية الدول الإفريقية اقتصاديًا. ورغم الانتقاد الموجه لهذا الاعتماد على المانحين، فإنه سمح بتنفيذ برامج طموحة لم يكن للإتحاد أن يقدر عليها ذاتيًا. في المقابل، الجامعة العربية محرومة حتى من هذه الشراكات المالية (لا يوجد “مانح دولي” لتمويل العمل العربي المشترك لأن الدول العربية نفسها دول متوسطة إلى غنية إجمالًا). ويمكن القول إن الاتحاد الإفريقي نجح في خلق أدوات تدخل وحل نزاعات (وإن بفعالية متفاوتة) غابت تمامًا عن الجامعة العربية. كما أنه بنى شراكات مع الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي لتمويل عملياته، ما جعله لاعبًا معترفًا به في إدارة الأزمات الإفريقية، بينما بقيت الجامعة في الأغلب متفرجًا على الأزمات العربية أو مساندًا للجهود الأممية من بعيد.
رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN): هي منظمة تجمع 10 دول في جنوب شرق آسيا تأسست عام 1967. قد تبدو الآسيان مشابهة للجامعة العربية من حيث تشديدها على مبدأ عدم التدخل واعتمادها الإجماع أسلوبًا لاتخاذ القرارات فيما عرف بـ”طريقة آسيان” (ASEAN Way). وبالفعل، ميزانية الأمانة العامة لآسيان محدودة جدًا (حوالي 20 مليون دولار سنويًا تموَّل بالتساوي بين الأعضاء بغض النظر عن حجم اقتصاد كل دولة). كما أن قرارات الآسيان غير ملزمة قانونًا وتُنّفذ طوعًا من قبل الدول الأعضاء. ومع ذلك، حققت الآسيان نجاحات ملحوظة في مجال التكامل الاقتصادي والتجاري بين دولها، حيث أبرمت اتفاقية للتجارة الحرة وحررت كثيرًا من سياسات الاستثمار والتنقل، مما عزز النمو الاقتصادي الإقليمي. السر في ذلك أن دول الآسيان استطاعت بناء ثقافة توافقية مرنة تراعي مخاوف الجميع بدون تعطيل المشاريع المشتركة. تُطرح المبادرات تدريجيًا وتُتخذ القرارات بالتوافق العام (وليس بالضرورة الإجماع الحرفي في كل صغيرة)، مما سمح لهم بالتحرك ولو ببطء. أيضًا اتبعت الآسيان سياسة الانفتاح على القوى الكبرى عبر المنتديات الأمنية والاقتصادية المشتركة (مثل منتدى آسيان الأمني ومؤتمر شرق آسيا) مما أعطاها ثقلًا دبلوماسيًا. في المقابل، بقيت الجامعة العربية منعزلة نسبيًا كمؤسسة عن التعاون مع التكتلات الأخرى (رغم وجود حوارات شكلية مع الاتحاد الإفريقي وآسيان وأمريكا الجنوبية). وبشأن حل النزاعات، الآسيان ليست أفضل حالًا من الجامعة العربية؛ فهي تجنبت تناول النزاعات الداخلية للدول الأعضاء (كما في حالة ميانمار حاليًا حيث اكتفت بخطة سلام غير مُنفذة) تمامًا مثل إحجام الجامعة عن التدخل في نزاعات أعضائها. لكن تُحسب للآسيان قدرتها على منع نشوب صراعات بين أعضائها أنفسهم بالحوار المستمر – فقد مرت عقود دون حروب بين دول جنوب شرق آسيا، بينما شهد الوطن العربي عدة حروب بينية (العراق والكويت، ليبيا وتشاد، المغرب والجزائر وغيرها) لم تستطع الجامعة منعها أو حلها. خلاصة القول، إن نموذج آسيان يؤكد إمكانية النجاح في بعض جوانب التكامل رغم اعتماد الإجماع، شرط توافر النية السياسية الصادقة وتحييد الخلافات السياسية عن مجالات التعاون الاقتصادي والثقافي. وهذا درس مهم للجامعة العربية التي كثيرًا ما شلّت خلافاتُ السياسة عملَ مؤسساتها المشتركة في كل المجالات.
الخلاصة المقارنة: يتضح أن جامعة الدول العربية تخلفت في مسيرة التطوير المؤسسي مقارنة بنظرائها. فالاتحاد الأوروبي طور نقل صلاحيات وسيادة إلى المستوى الإقليمي بشكل غير مسبوق، والاتحاد الإفريقي تبنّى إصلاحات هيكلية وعقوبات جماعية تعزز امتثالية الأعضاء، ورابطة آسيان نجحت في فصل التعاون الاقتصادي عن الخلافات السياسية وبنت trust تدريجي بين الدول. أما الجامعة العربية فظلت أسيرة ميثاقها القديم وهيكلها الجامد دون إرادة تذكر للتعديل. ورغم ذلك، تمتلك الجامعة بعض نقاط القوة النسبية؛ فهي رمز لوحدة الهوية العربية ولاتزال ساحة التنسيق الوحيدة الشاملة لقضايا العرب. كما أن نجاحاتها القطاعية في مجالات فنية (الصحة، التعليم، الثقافة) لا يمكن إنكارها لأنها الأقل تسييسًا. هذا يعني أن الجامعة – برغم ضعفها السياسي – لديها أساس يمكن البناء عليه إذا ما توافرت رؤية إصلاحية شاملة.
قيود الميثاق التأسيسي وأثرها على فعالية الجامعة
صدر ميثاق جامعة الدول العربية عام 1945 متأثرًا بسياق تلك الحقبة، وجاء ببنود عديدة تحدّ من فعالية الجامعة موضوعيًا. فيما يلي أبرز مواد الميثاق التي أصبحت مع مرور الوقت عائقًا أمام تطور الأداء العربي المشترك:
حصرية السيادة وعدم الإلزام الجماعي (المادة الثانية والثامنة): أكد الميثاق على احترام نظم الحكم والسيادة لكل دولة وعدم جواز تدخل أي عضو في شؤون دولة أخرى. هذا المبدأ على أهميته للحفاظ على استقلال الدول، جعل الجامعة عاجزة عن معالجة أي قضية داخلية في بلد عربي حتى لو بلغت حد الكارثة الإنسانية أو تهديد الاستقرار الإقليمي. كما أقرّ الميثاق في مادته السابعة أن قرارات الجامعة ملزمة فقط لمن يقبلها من الدول – وهذه نقطة جوهرية في ضعف الالتزام. فلو اعترضت دولة واحدة على قرار ما، تصبح غير ملزمة بتنفيذه، وإن وافقت أغلبية الدول الأخرى. هكذا تم إفراغ مفهوم العمل العربي المشترك من أي قوة إلزامية حقيقية، وظل رهن النوايا الحسنة لكل حكومة. في المقابل، مواثيق منظمات كالاتحاد الأوروبي تجعل قرارات الأغلبية ملزمة للجميع في معظم المجالات، ومواثيق الاتحاد الإفريقي تنص على عقوبات لمن يخالف القواعد الجماعية (مثل تعليق العضوية في حال الانقلاب). عدم وجود مثل هذا الربط الملزم في الحالة العربية أبقى قرارات الجامعة توصيات أدبية يمكن تجاهلها بلا عواقب.
آلية تسوية النزاعات (المادة الخامسة): نصّت المادة 5 من الميثاق على أن يلجأ أعضاء الجامعة إلى مجلس الجامعة لفض النزاعات فقط إذا ارتضى جميع أطراف النزاع ذلك، وحظرت اللجوء للقوة بين الدول الأعضاء. كما لم يتضمن الميثاق أي بند لإنشاء محكمة عدل عربية أو آلية تحكيم إجباري. صحيح أن اتفاقية الدفاع العربي المشترك لعام 1950 أوجدت مجلس دفاع مشترك ولجنة تحكيم، لكنها بقيت حبرًا على ورق ولم تُفعّل في النزاعات الحقيقية. نتيجة غياب هذه الآليات، لم تتمكن الجامعة من حل سوى نزاعات طفيفة وبموافقة الطرفين (مثل الخلاف الحدودي بين الجزائر والمغرب 1963 الذي سُوّي بمساعٍ عربية). أما النزاعات الكبيرة كحرب الخليج أو الحرب الأهلية اللبنانية أو خلاف الكويت والعراق قبل الغزو، فلم تساهم الجامعة في حلها بشكل حاسم؛ إما لتعارض إرادات الأطراف أو لتدخل قوى خارجية قبل إعطاء الفرصة لجهد عربي. يمكن القول إن الميثاق قيّد الجامعة بدور الوسيط الودّي لا الحكم الملزم. وحتى كوسيط، لا تتدخل الجامعة ما لم يُطلب منها رسميًا، الأمر الذي نادرًا ما يحدث خشية تدويل الخلاف أو عدم ثقة الأطراف بقدرة الجامعة على الحل. لقد افتقر الميثاق إلى رؤية بعيدة المدى لإنشاء هيئة قضائية عربية أو نظام تحكيم ملزم رغم مطالبات بعض المؤسسين بذلك حينها، حيث غلّبت غالبية الدول مبدأ السيادة والرضائية على أي التزام فوقي.
الإجماع والتصويت (المادة السابعة): كرّست المادة 7 عرف الإجماع في القرارات المهمة. ورغم عدم ذكر كلمة “إجماع” صراحة، إلا أن العمل جرى على اعتباره قاعدة، مع اعتبار الأغلبية الاستثنائية حالة نادرة للمسائل الإجرائية فقط. هذا التكريس جعل نظام التصويت في الجامعة فريدًا في تصلّبه؛ فحتى منظمة الأمم المتحدة اعتمدت التصويت بالأغلبية في الجمعية العامة ومجلس الأمن (مع حق النقض للدول الكبرى فقط في المجلس). كذلك منظمات كالاتحاد الإفريقي تعتمد الأغلبية في معظم القرارات. افتقاد الجامعة لقاعدة الأغلبية الفاعلة جعل عملية اتخاذ القرار بطيئة ومطوّلة، وعرضة للشلل إذا عارضت أية دولة قرارًا جوهريًا. إذ كثيرًا ما تم تعديل أو تفريغ قرارات في الاجتماعات الوزارية حرصًا على إرضاء جميع الأطراف، فخرج القرار توافقيًا لكنه ضعيف الصياغة والمضمون. وأحيانًا حالت معارضة دولة أو اثنتين دون صدور أي قرار.
جمود الميثاق وصعوبة التعديل (المادة 20): يضع الميثاق شرطًا صعبًا لتعديل بنوده، إذ يتطلب موافقة ثلثي الدول الأعضاء على أي تعديل. وبما أن القرارات المهمة عادة ما تُتخذ بالإجماع العملي، فإن الحصول على ثلثي الأعضاء لإقرار تعديل جوهري أمر بالغ الصعوبة سياسيًا. حاولت الجامعة إجراء تعديلات أو تحديثات طفيفة عبر السنوات (مثل إنشاء آلية انعقاد دوري للقمة العربية سنويًا منذ 2000، أو تشكيل البرلمان العربي الاستشاري في 2005). لكن أي مقترح لتطوير جذري – كتحويل التصويت إلى أغلبية، أو إنشاء مجلس أمن عربي، أو تمكين الأمانة العامة – قوبل إما بالرفض أو التسويف. يعود ذلك إلى تخوّف الدول من أي تغيير قد ينتقص صلاحياتها الوطنية أو يُلزمها جماعيًا. على سبيل المثال، طُرح مرارًا مقترح إنشاء محكمة عدل عربية ونظام قانوني ملزم، فلم يرَ النور بسبب انعدام التوافق. كذلك مبادرات إصلاحية قدمها أمناء سابقون (مثل مبادرة عمرو موسى 2004 لإنشاء هيئة حكماء ولجنة لمتابعة القرارات) ظلت توصيات بلا تنفيذ. وهكذا، ظل الميثاق نصًا شبه مقدس لم يطله تحديث جوهري منذ إقراره، باستثناء تعديلات طفيفة تخص انضمام الدول واستحداث بعض الأجهزة الثانوية. هذا الجمود الميثاقي حرم الجامعة من مواكبة تطورات النظام الدولي ومن تصحيح الخلل في نصوص أثبتت التجربة قصورها.
بشكل عام، يتفق المحللون على أن ميثاق 1945 وضع الأساس لوحدة الصف العربي لكنه أيضًا قيّد تلك الوحدة بإطار تنسيقي فضفاض لا يرتقي إلى منظمة تكامل حقيقي. ورغم الاعتراف المبكر بهذه القيود، لم يجرؤ القادة العرب عبر العقود على تجاوز إرث الآباء المؤسسين. لذلك إذا أريد للجامعة أن تستعيد فعاليتها، فلا مفر من مراجعة شاملة لميثاقها، لضخ ديناميكية جديدة في آليات عملها تتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.
علاقة الجامعة بالأمم المتحدة والقوى الدولية الكبرى
منذ بداياتها، ارتبط عمل جامعة الدول العربية بالساحة الدولية الأوسع، سواء عبر التنسيق مع منظمة الأمم المتحدة أو التعامل مع نفوذ القوى الكبرى في المنطقة. ويمكن إبراز معالم هذه العلاقة على مستويين:
1. التنسيق مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: ينص الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة على تشجيع المنظمات الإقليمية على حل النزاعات الإقليمية سلمياً قبل عرضها على مجلس الأمن. وقد سعت الجامعة العربية للاستفادة من هذا الهامش عبر توقيع اتفاقية تعاون رسمية مع الأمم المتحدة في الأربعينات، ومنحها صفة مراقب في الجمعية العامة لاحقًا. فعليًا، كثيرٌ من القضايا العربية رفعت إلى مجلس الأمن بعد تعذّر حلها عربيًا. مثلًا: القضية الفلسطينية مطروحة على الأمم المتحدة منذ 1947؛ أزمة الكويت 1990 انتهت بتشكيل تحالف دولي بقرار أممي؛ النزاع اللبناني في الثمانينات أفضى إلى قرار لمجلس الأمن حول قوات دولية (اليونيفيل)؛ والأزمة الليبية 2011 حلّت بقرار المجلس 1973. في هذه الحالات، كانت الجامعة تؤدي دورًا تمهيديًا أو داعمًا: تطلب التدخل الأممي عندما تعجز هي عن الحل. وقد رأينا كيف كان لقرار الجامعة بشأن ليبيا 2011 ثقل كبير أقنع المجتمع الدولي بالتحرك. أيضًا في سوريا، أحالت الجامعة الملف إلى الأمم المتحدة رسمياً في يناير 2012 ودعمت تعيين مبعوثين مشتركين أمميين-عرب. بل إن الجامعة علّقت عضوية سوريا لتزيل أي عائق أمام قرارات دولية ضد النظام، الأمر الذي انتقدته روسيا والصين حينها واعتبرته تجاوزًا إقليميًا. ومن جهة أخرى، تعاونت الجامعة مع الأمم المتحدة في مبادرات مشتركة مثل مؤتمر مدريد للسلام 1991 (حضره وفد مشترك باسم الدول العربية)، وكذلك في الجهود الإنسانية والإغاثية (الجامعة شريك في خطة الاستجابة لأزمات اللاجئين السوريين واليمنيين إلى جانب وكالات أممية). لكن تجدر الإشارة إلى أن هذا التعاون ظل غير مؤسسي بالكامل، أي يعتمد على مبادرات ظرفية أكثر من كونه آلية دائمة التنسيق. وربما أقرب صيغة مؤسساتية هي تعيين ممثل للأمين العام للأمم المتحدة لدى الجامعة العربية والعكس بالعكس منذ مطلع 2010s، لتسهيل التشاور. ومع ذلك، تبقى قدرة الجامعة على التأثير في قرارات مجلس الأمن محدودة جدًا. إذ كثيرًا ما تتبنى الجامعة قرارات أو مبادرات لا تلقى صدى لدى القوى الكبرى، فإما تُجمد في أروقة الأمم المتحدة (مثل مبادرة السلام العربية 2002 التي تبنتها الجمعية العامة لكن دون آليات تنفيذ) أو تُواجَه بفيتو من إحدى الدول دائمة العضوية إذا تعارضت مع مصالحها.
2. تأثير القوى الكبرى ودور الجامعة في الشرعية الدولية: كانت القوى الدولية الكبرى – ولا تزال – تُولي اهتمامًا لمواقف الجامعة العربية كمنبر يعكس الحد الأدنى من التوافق العربي. في أحيان كثيرة، تحتاج هذه القوى إلى غطاء شرعي عربي لسياساتها الشرق أوسطية. على سبيل المثال، حرصت الولايات المتحدة على نيل دعم الجامعة (أو على الأقل عدم معارضتها) للتحالف الدولي لتحرير الكويت 1991، وللحرب على الإرهاب بعد 2001، وحتى للتدخل في ليبيا 2011. وجود قرار عربي أو طلب رسمي من الجامعة يمنح أي تحرك دولي مشروعية إقليمية ويُضعف حجة التدخل الأجنبي المستند إلى الاستعمار. وقد قيل صراحة إن القوى الغربية لن تتدخل عسكريًا في ليبيا 2011 دون دعم عربي مسبق. وبالمثل، عندما قررت إدارة ترامب نقل السفارة الأمريكية إلى القدس 2017، سعت لاستطلاع رد الفعل العربي عبر حلفائها لتجنب استفزاز جماعي تقوده الجامعة – والتي اكتفت آنذاك ببيانات رفض دون إجراءات. وفي الوقت الحالي، تنظر روسيا والصين للجامعة كجسر للتأثير في الشرق الأوسط، فدعم روسيا لعودة سوريا للجامعة 2023 نموذج على استخدامها المنصة العربية لفك العزلة عن حليفها. أيضًا الصين استضافت قمة صينية-عربية 2022 في الرياض كإشارة إلى احترامها للإطار الجماعي العربي بالتوازي مع علاقاتها الثنائية. غير أن تأثير القوى الكبرى قد يكون سلبياً حين تنقسم الدول العربية بينها في موالاة هذه القوة أو تلك. إبّان الحرب الباردة، انحازت بعض الدول للولايات المتحدة وأخرى للاتحاد السوفيتي، مما أدخل الانقسام الأيديولوجي إلى قلب الجامعة. وبعد انتهاء القطبية الثنائية، برز النفوذ الأمريكي بشكل طاغٍ في المنطقة، وشهدنا ضغوطًا أمريكية مباشرة على بعض الدول العربية لتجميد عضوية مصر بعد اتفاقية كامب ديفيد 1979 ثم لإعادتها 1989، وكذلك لضمان مشاركة عربية في حرب الخليج 1991. اليوم، يُرصد تراجع نسبي للهيمنة الأمريكية مقابل صعود أدوار روسيا والصين، وهذا يضع الجامعة أمام تحدي تنسيق المواقف العربية تجاه التنافس الدولي الجديد. ولكن للأسف، لا تمتلك الجامعة آليات فعالة لتوحيد الرؤى في ملفات كبرى (كالتعامل مع الملف النووي الإيراني أو الحرب في أوكرانيا)، فتتباين مواقف دولها مما يضعف التأثير الجماعي. ومع ذلك، تبقى الجامعة واجهة دبلوماسية مهمة: فهي تصدر بيانات باسم 22 دولة مرة واحدة تُقرأ باهتمام عالمي. كما أن اجتماعاتها الوزارية والقممية غالبًا ما يحضرها مراقبون من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، ما يعني أن قراراتها تُنقل فورًا إلى تلك العواصم وتؤخذ بالاعتبار (ولو لم تنفَّذ). ويمكن القول إنه كلما استطاعت الجامعة بلورة موقف موحّد قوي في قضية ما، اضطرت القوى الكبرى للتعاطي معه أو على الأقل عدم تجاهله. لكن المشكلة أن ذلك نادر الحدوث، وغالبًا ما تكون القرارات العربية المشتركة ضعيفة اللهجة ومليئة بالاستثناءات مما يسهّل على الأطراف الخارجية الالتفاف حولها.
3. مشاركات الجامعة في أطر دولية وإقليمية أوسع: سعت الجامعة أيضًا لبناء شراكات مع تكتلات أخرى. فهناك القمة العربية–الإفريقية الدورية، والقمة العربية–الأوروبية (انعقدت مرة في شرم الشيخ 2019)، ومنتدى التعاون العربي–التركي (قبل توتر العلاقات)، ومنتدى التعاون العربي–الصيني الذي نتجت عنه قمم دورية حديثًا. هذه المنتديات تعكس رغبة الجامعة في توسيع حضورها خارج النطاق العربي الضيق. لكنها كثيرًا ما تكون بروتوكولية أكثر منها فعالة، نظرًا لعمومية جداول أعمالها وابتعادها عن الملفات الخلافية. ويبقى التنسيق الأهم هو مع الأمم المتحدة والذي أخذ صورًا متعددة كما أسلفنا. ولعل أحدث مجالات هذا التنسيق هو حفظ السلام وتمويل العمليات الدولية: فقد لاحظنا أن بعض الدول العربية موّلت عمليات أممية لحفظ السلام في دول عربية وأفريقية، كنوع من توزيع الأعباء مع المجتمع الدولي. وبالمقابل تطلب الجامعة مقاعد للعرب في أية مفاوضات أممية تخص المنطقة (مثال: إشراكها في محادثات جنيف بشأن سوريا كطرف مراقب، أو مطالبة مجلس الأمن أن تستشير لجنة المتابعة العربية في فلسطين). هذه المقايضة تستمر ما دامت الجامعة موجودة، بحيث تبقى شريكًا إقليميًا للأمم المتحدة يستمد منه الشرعية، وتستمد هي منه الدعم. وقد لخّص أحد الباحثين العلاقة بقوله إن إبقاء الجامعة العربية حية هو هدف استراتيجي ليس للعرب فحسب بل حتى للقوى الكبرى، كونها مصدر شرعية لتنفيذ أجندات قد تكون غير مقبولة شعبيًا في المنطقة. أي أن القوى الدولية تفضل دومًا تمرير خططها بتأييد عربي جماعي لامتصاص المعارضة، وهذا بحد ذاته يمنح الجامعة دورًا وإن كان محدودًا في حسابات السياسات الدولية.
في المحصلة، يمكن وصف علاقة الجامعة العربية بالمنظومة الدولية بأنها علاقة تكامل ضعف: كلما عجز العرب عن حل مشاكلهم أحالوها للأمم المتحدة، وكلما أرادت القوى الكبرى التحرك في المنطقة استعانت – أو على الأقل استأنست – برأي الجامعة لضمان حد أدنى من القبول. وبين هذين الخطين، يبرز قصور الجامعة في فرض رؤيتها الخاصة على المسرح الدولي باستثناء ملفات معدودة (مثل الإجماع العربي ضد اعتراف دولي بالقدس عاصمة لإسرائيل، أو الدعم العربي للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة). أما في معظم الصراعات العربية، فقد وجدت الأمم المتحدة نفسها تدير الأزمات نيابة عن الجامعة التي اكتفت بالمراقبة أو المناشدة. وهذا الواقع يُبرز الحاجة لإصلاح البيت العربي ليصبح قادرًا على معالجة قضاياه ذاتيًا أو بتعاون متكافئ مع المجتمع الدولي، بدل الارتهان المستمر للخارج.
غياب دور المجتمع المدني والمراكز الفكرية في قرارات الجامعة
من السمات البارزة لآلية عمل جامعة الدول العربية انحصار عملية صنع القرار في يد الحكومات فقط دون أي مشاركة تُذكر للمجتمع المدني أو الخبراء المستقلين. فالميثاق التأسيسي لم يُشر إلى دور للشعوب أو منظماتها، بل حصر العضوية في الدول المستقلة. وعلى عكس تجارب إقليمية أخرى أقامت أجسامًا استشارية شعبية (مثل البرلمان الأوروبي المنتخب، والمجلس الاقتصادي الاجتماعي في الاتحاد الإفريقي الذي يضم منظمات مجتمع مدني)، فإن الجامعة لم تطوّر قناة دمج للمكونات غير الرسمية في منظومتها سوى مؤخرًا بشكل خجول عبر البرلمان العربي.
أُنشئ البرلمان العربي كهيئة استشارية في 2005 (مقره الحالي في القاهرة) ويتألف من ممثلين تعينهم برلمانات الدول الأعضاء. لكن صلاحيات هذا البرلمان رمزية جدًا، وتوصياته غير ملزمة. كما أنه يمثل امتدادًا للمؤسسات الرسمية (النيابية) للدول وليس منظمات مستقلة. وبالتالي فهو لم ينجح في بلورة صوت شعبي مستقل داخل أروقة الجامعة.
عمليًا، يغيّب نظام الجامعة الأصوات المدنية تمامًا عن صناعة القرارات. فلا يوجد آلية لإشراك اتحادات العمال أو غرف التجارة العربية أو المنظمات غير الحكومية في المشاورات الرسمية التي تسبق القمم والوزاريات. وحتى عندما حاولت الجامعة مجاراة المنظمات الدولية بإنشاء المنظمة العربية لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي الاجتماعي العربي، ظلت هذه الكيانات هامشية ومرتبطة بالحكومات وليست مستقلة. على سبيل المثال، أُعدّت مسودة الميثاق العربي لحقوق الإنسان عام 2004 ضمن الجامعة دون مشاركة خبراء حقوقيين مستقلين أو جمعيات أهلية، فجاء الميثاق ضعيفًا وانتُقد لافتقاره لآليات فعالة لمراقبة الانتهاكات. كذلك عندما أقرت الجامعة إنشاء المحكمة العربية لحقوق الإنسان في 2014، وُضعت نظامها الأساسي دون أي مساهمة من منظمات حقوق الإنسان أو المختصين، فجاء خاليًا من صلاحيات حقيقية ولم يلبِّ المعايير الدولية. النتيجة كانت فشل هذه المبادرات في كسب مصداقية، وصارت حبرًا على ورق.
غياب المجتمع المدني يمتد أيضًا إلى المراكز البحثية والفكرية. فعلى الرغم من وجود مجلس للوحدة الاقتصادية العربية ومراكز دراسات تابعة للجامعة هنا وهناك، إلا أنها جميعًا تخضع للتعيين الحكومي ولا تتمتع بالاستقلالية الكافية. تفتقر الجامعة لآلية تستفيد فيها من خبرات الأكاديميين والمفكرين العرب في رسم سياساتها أو اقتراح الحلول لمشكلاتها. وهذا عكس ما نراه مثلًا في الاتحاد الأوروبي حيث تستعين المفوضية بخبراء من معاهد بحث مستقلة لصياغة السياسات، أو في الاتحاد الإفريقي حيث عُقدت ملتقيات حوار مع المجتمع المدني ضمن القمم الإفريقية.
على الجانب الآخر، يلاحظ أن الدول العربية لم تستفد من العقول العربية المهاجرة أو المقيمة لتطوير عمل الجامعة. هناك آلاف الخبراء العرب في مراكز دولية، وكان يمكن إشراك بعضهم في لجان استشارية عليا للجامعة في مجالات مثل حل النزاعات أو التكامل الاقتصادي أو الإصلاح المؤسسي. لكن ذلك لم يحدث بسبب عقلية التحفظ الرسمية.
مؤخرًا، برزت دعوات متجددة لـتحديث ميثاق الجامعة لإشراك المجتمع المدني وإعطاء دور أكبر للمواطن العربي. على سبيل المثال، طالبت منظمات أهلية عربية بتفعيل دور البرلمان العربي ومنحه سلطات أوسع ورقابية، كما دعت إلى إنشاء آلية تشاور دائمة بين الجامعة واتحادات المحامين والأطباء والحقوقيين العرب فيما يخص القضايا ذات الصلة. لكن هذه الدعوات لم تتبلور بعد إلى خطوات عملية. ويعود الأمر مرة أخرى إلى غياب الإرادة السياسية لدى الحكومات التي ربما ترى في انخراط المجتمع المدني تهديدًا لنفوذها المطلق على القرار العربي.
مع ذلك، يدرك كثير من المسؤولين حاليًا أن سد هذه الفجوة بات ضروريًا لتضييق المسافة بين الجامعة والشعوب. إذ لا مستقبل للعمل العربي المشترك دون أن يشعر المواطن العربي أن له صوتًا وتمثيلًا في صنع القرار الذي يمس مصيره. وتجارب المنظمات الإقليمية الناجحة تُظهر أن البُعد الشعبي والفكري عنصر أساسي لضمان الاستدامة والفعالية. فمثلًا، أحد أسباب نجاح الاتحاد الأوروبي هو شعور الأوروبيين بامتلاكهم مؤسسات تعبر عنهم (كالبرلمان) وفرص المشاركة في تحديد الاتجاهات العامة. وفي إفريقيا، تنظيم ملتقيات موازية للقمم الرسمية تحت عنوان “قمم الشعوب” أصبح تقليدًا، حيث يعبّر المجتمع المدني عن رؤاه ويضغط لتضمينها في قرارات الزعماء.
ختامًا، لا بد من الإشارة إلى أهمية دور المراكز الفكرية (Think Tanks) تحديدًا في طرح مبادرات إصلاحية للجامعة العربية. فهذه المراكز، بخبراتها البحثية وحيادها النسبي، تستطيع تقديم رؤى موضوعية لتطوير آليات العمل العربي بعيدًا عن الاعتبارات السياسية الضيقة. وفي العالم الغربي، لعبت مراكز الأبحاث دور العصف الذهني لتطوير مؤسسات كالاتحاد الأوروبي وحلف الناتو. أما عربيًا، فما زال الدور محدودًا وإن بدأ في الاتساع عبر مؤتمرات وورش عمل تقيمها مراكز فكرية عربية حول إصلاح الجامعة وسبل تفعيل المعاهدات العربية. ومن هنا تبرز الحاجة الماسة لإعطاء المجتمع المدني والمفكرين العرب مساحة أرحب ضمن منظومة الجامعة إذا أريد لها النهوض من سباتها المؤسسي.
خلاصات وتوصيات: نحو إصلاح الجامعة ودور مركز ICCSSM – لندن
في ضوء الاستعراض أعلاه، يتبين أن جامعة الدول العربية برغم عثراتها تظل الكيان الجامع للعرب الذي يمكن البناء عليه وتحسين أدائه بدلًا من التفريط فيه. لقد تعالت بعض الأصوات سابقًا تدعو إلى تجاوز الجامعة أو إنشاء إطار إقليمي جديد أكثر فعالية، خاصة مع ازدياد الاستقطابات وتراجع الشعور بالمصير العربي المشترك مقارنة بالمصالح القطرية أو التحالفات مع قوى غير عربية. بيد أن الاتجاه الغالب – رسميًا وشعبيًا – ما زال يرى في الإبقاء على الجامعة هدفًا استراتيجيًا لأسباب عدة، منها رمزيتها لهوية العرب المشتركة، ولدورها الممكن كجبهة إقليمية في مواجهة التحديات الخارجية. ولعل الأمين العام الحالي أبو الغيط عبّر عن ذلك بقوله: “لن يكون هناك بديل للجامعة ولا تحويلها إلى شيء آخر… نحن العرب لدينا لغة وتاريخ مشترك، والجامعة هي إطارنا الذي يجب ألا نفرط فيه”.
ولكن الإبقاء على الجامعة يجب ألا يعني الإبقاء على جمودها وكما هي حالياً. المطلوب هو إصلاح جذري ومتدرج يعالج مكامن الخلل المؤسسي التي ناقشناها. ومن التوصيات العملية المطروحة في أوساط المفكرين العرب في هذا الصدد:
- تحديث الميثاق وتطوير آليات التصويت: لا بد من إعادة النظر في شرط الإجماع المعرقل. يمكن اعتماد نظام الأغلبية الموصوفة (مثلاً ثلثي الأصوات) في القرارات السياسية المهمة مع إلزام جميع الدول بها، على غرار آليات الاتحاد الإفريقي. وكذلك تضمين الميثاق نصوصًا صريحة تسمح للجامعة بالتدخل الإيجابي في الأزمات الداخلية الكارثية (مثل النزاعات الأهلية) بناءً على قرار جماعي، مع احترام سيادة الدول قدر الإمكان. هذه التعديلات تتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا وإرادة للتنازل عن بعض التحفظات التاريخية.
- تعزيز دور الأمانة العامة وتمكين الأمين العام: ينبغي منح الأمانة العامة صلاحيات تنفيذية أوسع لمتابعة تنفيذ قرارات القمم والوزاريّات. يمكن مثلاً إنشاء مفوضيات قطاعية داخل الجامعة (للسلم والأمن، للتنمية الاقتصادية، لحقوق الإنسان…) برئاسة مسؤولين رفيعين يمنحون قدراً من السلطة للتنسيق واتخاذ خطوات تنفيذية ضمن ولايتهم، على غرار المفوضيات في الاتحاد الإفريقي. كما يمكن تمكين الأمين العام من اقتراح مبادرات ووضع مسودات قرارات للتصويت عليها، وأداء دور الوسيط باسم الجامعة في النزاعات دون انتظار إجماع مسبق على تكليفه.
- إصلاح المنظومة المالية: يتعين ابتكار مصادر تمويل جديدة لدعم ميزانية الجامعة. من الأفكار المقترحة تأسيس صندوق استثمار وقفي عربي تساهم فيه الحكومات بنسبة من صناديقها السيادية، ويخصص ريعه لتمويل أنشطة الجامعة. وكذلك تشجيع القطاع الخاص العربي على المساهمة في رعاية برامج محددة (مثلاً شركات الاتصالات العربية تموّل مشروع الربط الشبكي العربي بإشراف الجامعة). كما يمكن طلب دعم من مؤسسات دولية لمشاريع الجامعة التنموية (كالحصول على منح من البنك الدولي أو الاتحاد الأوروبي لتطوير التعليم العربي المشترك)، وهذا يتطلب رفع كفاءة الإدارة المالية للجامعة وشفافيتها لكسب ثقة المانحين.
- تفعيل معاهدات الدفاع المشترك والأمن القومي: الاتفاقيات العربية الموقعة – مثل معاهدة الدفاع العربي المشترك (1950) ومعاهدة مكافحة الإرهاب (1998) – تحتاج إلى آليات تنفيذ. يمكن مثلاً إنشاء قوة عربية للتدخل الإنساني السريع بإمرة مجلس دفاع مشترك، تكون جاهزة للإرسال في الحالات التي يتفق أنها تهدد الأمن القومي العربي أو تستوجب حماية المدنيين (مثل مهمات إغاثة الكوارث أو مراقبة وقف إطلاق النار). قد تكون البداية بتفعيل “قوة حفظ سلام عربية” محدودة العدد تستمد أفرادها من قوات الدول الراغبة، تحت مظلة الجامعة وبالتنسيق مع الأمم المتحدة عند اللزوم. هذا سيثبت أن الجامعة قادرة على الفعل الميداني عندما تتهيأ الإرادة.
- إشراك أوسع للمجتمع المدني والمفكرين: لا بد من فتح أبواب الجامعة لخبرات خارج الأطر الرسمية. يمكن إنشاء مجلس استشاري عربي يضم شخصيات من اتحادات المحامين والأطباء والاقتصاديين والجامعات ومراكز الأبحاث، يُدعى للاجتماع دوريًا وتقديم توصيات تُرفع للقمة. وكذلك توسيع صلاحيات البرلمان العربي ومنحه دورًا رقابيًا على أداء الجامعة وميزانيتها. إن سماع صوت الشعوب سيضخ شرعية جديدة في مؤسسة الجامعة ويخلق ضغطًا على الحكومات للالتزام بما تقره جماعيًا. كما يُستحسن أن ترعى الجامعة مؤتمرًا سنويًا للمراكز البحثية العربية لمناقشة أبرز التحديات المشتركة ورفع المقترحات العملية للحل – بحيث تصبح الأفكار الإصلاحية جزءًا من أجندة صنّاع القرار العرب باستمرار.
في هذا السياق، يبرز مركز ICCSSM – لندن كمثال للمؤسسات الفكرية العربية/الدولية القادرة على المساهمة في تقديم رؤى استراتيجية بديلة لدعم عملية الإصلاح المنشود. فالمركز (وهو المركز الدولي للاستشارات والدراسات الإستراتيجية والإعلام ومقره لندن) يرفع شعار الدبلوماسية الرؤيوية وبناء السلام عبر الحدود، مما يؤهله لطرح مبادرات تتجاوز الجمود الرسمي التقليدي. إن مراكز فكر كهذه – بخبرتها العالمية واستقلاليتها النسبية – تستطيع إجراء دراسات مقارنة مستفيضة حول نماذج المنظمات الإقليمية الناجحة، وتقديم تصوّرات إصلاحية واقعية قابلة للتطبيق في السياق العربي. على سبيل المثال، يمكن لـICCSSM إعداد ورقة سياسات حول إصلاح ميثاق الجامعة تتضمن مقترحات محددة لبنود جديدة وآليات تصويت عصرية، أو تنظيم حوار غير رسمي بين دبلوماسيين عرب سابقين ومفكرين للخروج بأفكار لحل معضلة التمويل. كما بوسع المركز إطلاق مبادرة “رؤية 2030 للعمل العربي المشترك” تضع أهدافًا مرحلية لتطوير الجامعة بالتنسيق مع جامعات ومراكز بحث في العالم العربي.
ما يميز طرح المراكز الفكرية مثل ICCSSM هو الجرأة في التفكير خارج الإطار المألوف، ولكن بطريقة علمية ودبلوماسية تراعي حساسيات الدول. فالمركز كمؤسسة مستقلة يستطيع أن يقترح مثلاً هيكلًا جديدًا لمجلس الجامعة يضم مجلسًا للأمن العربي بعضوية دائمة لأكبر خمس دول عربية (على غرار مجلس الأمن الدولي) مع حفظ التوازن الجغرافي – وهو طرح قد تتحفظ عليه بعض الدول لو جاء منها مباشرة، لكن حين يصدر عن جهة بحثية قد يفتح النقاش دون حساسية. كذلك قد يقترح المركز حلولاً وسطى لمعضلة تدخل الجامعة في الأزمات السيادية، كإنشاء مجموعة اتصال عربية محدودة من دول الجوار لكل أزمة تتدخل بمرونة أسرع، وهذا مطبق جزئيًا الآن لكن بشكل غير منظم.
في الختام، إن إصلاح جامعة الدول العربية مسؤولية تاريخية ورغم كل التحديات، فإن الفرصة ما زالت قائمة لبث حياة جديدة في هذه المؤسسة التي شاخت لكنها لم تفقد مبررات وجودها. فالعالم العربي يواجه تحديات مشتركة جسيمة – من صراعات الهوية والإرهاب، إلى قضايا التنمية والتغير المناخي – مما يتطلب منبرًا عربيًا موحدًا للتعامل معها. الجامعة بصيغتها الحالية عاجزة عن التصدي الفعال، لكن بإرادة سياسية مستنيرة ورؤى إستراتيجية شجاعة يمكن تحويلها إلى كيان أكثر قدرة على خدمة الشعوب العربية. وكما نجحت أوروبا وإفريقيا وآسيا في تكييف منظماتها الإقليمية مع العصر، تستطيع جامعة الدول العربية. وفي هذا المسار، سيكون لمؤسسات الفكر والرأي مثل مركز ICCSSM – لندن دور داعم جوهري عبر تقديم المشورة والبدائل العملية لصنّاع القرار، وصولاً إلى تحقيق حلم النهضة العربية المشتركة التي طال انتظارها.
إن مستقبل جامعة الدول العربية رهنٌ بقدرتنا جميعًا – حكومات وشعوبًا ونخبًا – على استغلال هذه اللحظة التاريخية لإحداث التغيير الإيجابي المنشود، بروح دبلوماسية مسؤولة ورؤية جماعية للمصير المشترك.
This strategic report was prepared independently by ICCSSM- London/ based on publicy available data and expert geopolitical analysis
تم إعداد هذا التقرير الاستراتيجي بشكل مستقل من قبل ICCSSM- لندن / بناءً على البيانات المتاحة للعامة والتحليل الجيوسياسي من قبل الخبراء
المصادر والمراجع:
1. Al Sharq Strategic Research – “The Arab League: Its Foundation and Role in Arab Regional Security” (بحث بتاريخ 21 يناير 2019).
2. Arab Center Washington DC – “The Arab League’s Many Failures” (مقال بتاريخ 8 أكتوبر 2020).
3. Al Majalla Magazine – “The Arab League Stuck in Flawed, Ineffective Role” (تحليل بتاريخ 4 فبراير 2022).
4. وكالة رويترز – “Arab League readmits Syria as relations with Assad normalise” (خبر بتاريخ 7 مايو 2023).
5. قناة الجزيرة – “Arab states seek Libya no-fly zone” (تقرير إخباري بتاريخ 12 مارس 2011).
6. جريدة Arab News – “Nations ‘not paying their dues to Arab League’” (خبر بتاريخ 2 مايو 2017).
7. مركز الروابط للبحوث – “الجامعة العربية: فشل في قبول الاختلاف وتجاوز عقدة القطر العربي” (مقال بتاريخ 1 أبريل 2018).
8. موسوعة ويكيبيديا – “Budget of the European Union” (اطلع عليه في 2025).
9. موقع الاتحاد الإفريقي – “African Union Financial Reforms – 2024 Budget”.
10. موقع معهد الدراسات الاستراتيجية الدولي (IISS) – بيانات حول الإنفاق العسكري والأمني العربي (اطلاع عام).

