إعداد: المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام (لندن)
مقدمة تحليلية تمهيدية
يُظهر مشهدٌ لمنزلٍ مدمَّر في مدينة بوتشا الأوكرانية عام 2022، وهي إحدى ضواحي العاصمة كييف التي شهدت فظائع خلال المراحل الأولى من الحرب. تكشف هذه الصورة حجم الدمار البشري والمادي الذي خلفته الحرب الروسية–الأوكرانية المستمرة منذ فبراير/شباط 2022. فقد تسببت هذه الحرب بأسوأ أزمة إنسانية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث فرّ نحو ثلث سكان أوكرانيا من منازلهم، وسُجِّل أكثر من 6.7 مليون لاجئ أوكراني حول العالم بحلول 2024. كما وثّقت الأمم المتحدة مقتل ما يزيد على 11,600 مدني أوكراني وإصابة عشرات الآلاف حتى منتصف 2024، فضلًا عن خسائر عسكرية واقتصادية جسيمة لكلا الطرفين.
على الرغم من الإدانات الدولية الواسعة للغزو الروسي، والعقوبات الاقتصادية غير المسبوقة المفروضة على موسكو، ودعم عشرات الدول لأوكرانيا بالأسلحة والمساعدات، لا تلوح في الأفق نهاية قريبة لهذا الصراع الدموي. بل على العكس، يبدو أننا أمام حرب طويلة الأمد تستنزف موارد روسيا وأوكرانيا وتعيد تشكيل العلاقات الدولية. يلتزم هذا التقرير بتحليل أسباب استمرار الحرب حتى اليوم، مستكشفًا جذورها الجيوسياسية وتوازنات القوى الدولية المحيطة بها، ودور أوكرانيا المحوري بين كونها ضحية وكونها ساحة صراع بالوكالة، إضافة إلى المصالح الاقتصادية والتكنولوجية التي تُذكي نار الحرب، فضلًا عن دور الإعلام العالمي في تشكيل الرأي العام. كما يناقش غياب الإرادة الحقيقية لوقف إطلاق النار والمسؤولين عن عرقلة جهود السلام، والحقيقة المغيّبة المتمثلة في تحول هذا الصراع إلى نموذج للحرب الطويلة. ويقيّم التقرير أداء المؤسسات الدولية ما بين غياب وتواطؤ وعجز في مواجهة هذه الأزمة الخطيرة.
أخيرًا، يطرح المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام (ICCSSM) رؤيته لخارطة طريق من أجل سلام عادل ومستدام في أوكرانيا، انطلاقًا من موقف دولي محايد ملتزم بالسلام، يراعي مخاوف جميع الأطراف ويضمن السيادة الأوكرانية والأمن الإقليمي والدولي. هذه الرؤية تأمل في إحياء الدبلوماسية كسبيل وحيد لإنهاء معاناة الملايين وإرساء الأمن في أوروبا والعالم.
الجذور الجيوسياسية للصراع بين روسيا وأوكرانيا
لفهم إصرار موسكو وكييف وحلفائهما على المضي في الحرب، ينبغي العودة إلى الجذور الجيوسياسية لهذا الصراع. فمنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 واستقلال أوكرانيا، لم تعرف العلاقات الأوكرانية–الروسية استقرارًا حقيقيًا. تخشى روسيا انضمام أوكرانيا إلى المعسكر الغربي (الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي) وتعتبره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. في المقابل، تتطلع غالبية الأوكرانيين لتعميق الشراكة مع أوروبا وضمان استقلالهم الفعلي عن الهيمنة الروسية، لا سيما بعد نيلهم الحرية من الحكم السوفييتي. وقد أصبحت أوكرانيا منذ التسعينيات ساحة تجاذب بين الشرق والغرب؛ حيث سعى الغرب بقيادة الولايات المتحدة لدمجها في المنظومة الأوروبية–الأطلسية، فيما رأت موسكو في ذلك كابوسًا استراتيجيًا.
اشتد هذا التجاذب بعد الثورة البرتقالية عام 2004 ثم ثورة الميدان (يوروميدان) أواخر 2013، عندما أطاحت الاحتجاجات الشعبية برئيس موالٍ لروسيا بسبب رفضه توقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي. ردّت روسيا عام 2014 بضم شبه جزيرة القرم ودعم حركة انفصالية مسلحة في إقليم دونباس الشرقي. دخل الطرفان منذ ذلك الحين في نزاع مجمّد تخللته اتفاقيات هشة (مينسك 1 و2) لم تعالج جذور المشكلة. بقيت أوكرانيا تطمح للانضمام إلى حلف الناتو، وهو الأمر الذي اعتبرته موسكو خطًا أحمر يمس صميم أمنها القومي. وقد حذّر منظّرون استراتيجيون – مثل زبغنيو بريجنسكي – منذ التسعينيات أن استعادة موسكو السيطرة على أوكرانيا قد تعني إحياء الإمبراطورية السوفييتية، لذا أصبحت أوكرانيا ميدانًا للصراعات منذ مطلع الألفية.
في سنوات ما قبل الحرب، استمرت روسيا في النظر إلى أوكرانيا باعتبارها ضمن مجال نفوذها التاريخي المباشر. ورغم استقلال كييف السياسي، لم تتسامح موسكو مع أي تقارب أوكراني تجاه الناتو والاتحاد الأوروبي. تفاقمت المخاوف الروسية مع تقديم وعود غربية ضمنية لأوكرانيا بإمكانية الانضمام للناتو (خاصة في قمة بوخارست 2008). وبالنسبة للكرملين، تمثل أوكرانيا حاجزًا جيوسياسيًا يفصلها عن قوات الناتو؛ لذلك أعلنت روسيا صراحة أنها لن تسمح بتحول أوكرانيا إلى منصة عسكرية غربية على حدودها. هذا الإدراك الروسي دفعها إلى تبني سياسات أكثر عدائية تجاه كييف، وصولًا إلى شن الحرب الشاملة في 24 فبراير/شباط 2022 بهدف منع انجراف أوكرانيا الكامل نحو الغرب وإعادتها إلى الفلك الروسي.
إجمالًا، يمكن القول إن جذور الحرب تمتد إلى تضارب الرؤى الأمنية: فموسكو تسعى لضمان حياد أوكرانيا وإبقائها منطقة عازلة أمام تمدد الناتو شرقًا، بينما ترى كييف وحلفاؤها الغربيون أن من حق أوكرانيا اختيار اصطفافاتها السياسية والأمنية دون إملاء من روسيا. هذا التناقض الجيوسياسي العميق، المتراكم عبر عقود من انعدام الثقة وسوء الفهم المتبادل، انفجر أخيرًا في حرب مفتوحة عندما اعتقدت القيادة الروسية أن اللجوء للقوة العسكرية هو السبيل الأخير لمنع خسارة أوكرانيا استراتيجيًا.
توازن القوى بين الشرق والغرب (الناتو، أمريكا، الصين، أوروبا)
أعاد الغزو الروسي لأوكرانيا تشكيل توازنات القوى العالمية على نحو دراماتيكي. فقد أدى إصرار الغرب (الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو والاتحاد الأوروبي) على دعم أوكرانيا عسكريًا واقتصاديًا إلى استقطاب حاد بين الشرق والغرب يذكّر بأيام الحرب الباردة. من جهة، وحّدت الأزمة الصف الغربي إلى حد كبير خلف هدف إضعاف الآلة الحربية الروسية وردع أي مغامرات توسعية أخرى. ومن جهة أخرى، دفع الحصار الغربي روسيا إلى تعميق شراكتها الاستراتيجية مع قوى شرقية صاعدة، وعلى رأسها الصين، في محاولة لكسر العزلة.
تبلور محور موسكو–بكين بصورة أوضح منذ بدء الحرب. فقد أعلنت الدولتان قبل الغزو عن شراكة “بلا حدود”، وبالفعل قدمت الصين طوق نجاة اقتصادي لموسكو عبر زيادة شرائها للطاقة الروسية وتوفير بدائل تكنولوجية لتخفيف وقع العقوبات الغربية. هذا التقارب مع بكين منح الكرملين عمقًا استراتيجيًا في ظهره الشرقي، مما سمح له بالتركيز عسكريًا على الجبهة الأوروبية. ويقدّر محللون أن الصين مستفيدة استراتيجيًا من انشغال روسيا والغرب في أوكرانيا، طالما بقي الصراع محصورًا هناك وتجنب التصعيد النووي، وطالما لم تُهزم موسكو بشكل يُضعف شريكها بشكل حرج. ولم تظهر بكين رغبة جادة في الضغط على بوتين لوقف الحرب؛ إذ مرّت أكثر من ثلاث سنوات على بدء الغزو دون أي مؤشر على استعداد الصين لدعم مفاوضات سلام حقيقية. فهي تقدم نفسها كوسيط محايد (طرحت خطة سلام من 12 نقطة) لكنها في الواقع توازن بين طرفي الصراع لحماية مصالحها: تستفيد من أسعار الطاقة الروسية المخفّضة ومن إضعاف خصمها الأمريكي المنشغل بالحرب، وفي الوقت ذاته لا تريد انتصارًا روسيًا كاسحًا قد يقوي نفوذ موسكو أكثر من اللازم.
على الجانب الآخر، أظهر حلف الناتو وحدة غير متوقعة وسارع إلى تعزيز قدراته ونشر قوات إضافية في دول الجناح الشرقي المحاذية لروسيا. رفعت دوله إنفاقها الدفاعي؛ وأعادت الحرب الاعتبار لدور الولايات المتحدة القيادي في أمن أوروبا، بعد أن كان الحلف يعاني من تفكك نسبي في السنوات السابقة. كذلك تقدمت كلٌ من السويد وفنلندا (المحايدتان تاريخيًا) بطلب الانضمام للناتو تحت وطأة التهديد الروسي، مما زاد نطاق الحلف وأحاط روسيا بمزيد من الدول الأعضاء على حدودها. وفي الوقت نفسه، تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية كجزء من إعادة التموضع الاستراتيجية؛ فالحرب سرعت توجه أوروبا لتنويع مصادر النفط والغاز والتحول إلى بدائل أخرى، مع خطط للاستغناء شبه الكامل عن الوقود الروسي بحلول 2027. وعلى المدى البعيد، من المتوقع أن ينتج عن الحرب توازن قوى عسكري جديد في أوروبا يميل ضد روسيا مع تنفيذ الدول الأوروبية تعهداتها بتعزيز الإنفاق الدفاعي وتحديث ترساناتها.
أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى الصراع من منظور المنافسة الكبرى مع روسيا (وفي الخلفية الصين). وقد صرّح مسؤولون أمريكيون أن واشنطن تستهدف من دعمها لأوكرانيا إضعاف القدرات الروسية لمنع موسكو من تهديد جيرانها مستقبلاً. ويتجلى هذا الهدف بوضوح في حجم ونوعية المساعدات العسكرية الغربية الضخمة المقدمة لكييف (صواريخ متطورة، مدفعية بعيدة المدى، دبابات حديثة، ومعلومات استخباراتية وغير ذلك). ومع أن الغرب حريص على تجنب مواجهة مباشرة مع روسيا، إلا أنه يخوض فعليًا عبر أوكرانيا حرب استنزاف ضد الجيش الروسي أضعفت قدراته التقليدية بشكل ملحوظ. بالمقابل، تراهن موسكو على عامل الوقت وعلى إرهاق الدعم الغربي لكييف؛ إذ يعوّل بوتين على تفوق روسيا السكاني والصناعي وعلى فتور صبر الشعوب الغربية مع طول أمد الحرب وكلفتها الاقتصادية. وقد أبدى الكرملين اعتقادًا بأن روسيا قادرة في النهاية على استنزاف الغرب والتغلب على أوكرانيا في حرب طويلة الأجل، مستندًا إلى موارد روسيا الكبيرة واستعدادها لتحمل المشاق.
في خضم هذا الاستقطاب، ظهر دور ملحوظ لقوى دولية أخرى. فدول مثل تركيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرها اتخذت مواقف أكثر توازنًا ولم تنخرط كليًا في أي من المعسكرين. تركيا مثلًا – العضو في الناتو – رفضت المشاركة في العقوبات على روسيا ولعبت دور وسيط في اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود صيف 2022. والهند استمرت في استيراد النفط الروسي بكثافة، واضعة مصالحها الاقتصادية فوق الضغوط الغربية. تعكس هذه المواقف المتباينة تحولًا في ميزان القوى العالمي نحو نظام أكثر تعددية، حيث لم تعد كل الدول تصطف تلقائيًا خلف واشنطن أو موسكو، بل تسعى كل منها للاستفادة من ظروف الصراع لتعزيز مصالحها الخاصة.
خلاصة القول، أدت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى إعادة إحياء الانقسام بين الشرق والغرب بصورة حادة: معسكر غربي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها يدعم أوكرانيا بقوة، ومعسكر تقوده روسيا مدعوم ضمنيًا من الصين وشركاء آخرين يسعى لتحدي النفوذ الغربي. هذا التوتر الدولي جعل من أوكرانيا نقطة ارتكاز في صراع جيوسياسي عالمي أوسع نطاقًا يتعلق بشكل النظام الدولي المقبل – أحادي أم متعدد الأقطاب – وهو ما يساهم في إطالة أمد الحرب مع ضخ كل طرف المزيد من الموارد فيها لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
الدور الحقيقي لأوكرانيا – ضحية أم ساحة صراع موسّعة؟
لا شك أن أوكرانيا هي الضحية الأولى والمباشرة لهذا العدوان؛ فهي دولة ذات سيادة تعرضت أراضيها للاجتياح والتقسيم بالقوة، ودُمرت مدنها وبناها التحتية، وقُتل وشُرد ملايين من شعبها. من هذا المنظور، تقف أوكرانيا في خندق الدفاع المشروع عن النفس وفق ميثاق الأمم المتحدة، وتطلب العون من المجتمع الدولي لحماية استقلالها. وقد تعاطف الرأي العام العالمي مع معاناة الأوكرانيين وشجاعة مقاومتهم، واعتُبر ما يواجهونه اعتداءً صارخًا يذكر بتاريخ الغزوات العسكرية في أوروبا. بيد أن هذا الوجه المأساوي للحرب لا يلغي بروز وجه آخر للصراع: وهو تحول أوكرانيا – بحكم موقعها وتاريخها – إلى ساحة صراع موسعة بين روسيا والغرب، أو ما يسميه البعض حربًا بالوكالة (Proxy War) بين القوى الكبرى على الأرض الأوكرانية.
لقد سارع المسؤولون الروس منذ بداية الحرب إلى اتهام الغرب باستخدام أوكرانيا كأداة لاستهداف روسيا. وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعم الناتو لأوكرانيا بأنه “حرب بالوكالة” ضد موسكو، معتبرًا أن الحلف يؤجج المقاومة الأوكرانية خدمةً لمصالحه. وذهب لافروف إلى القول بأن “الحرب تعني الحرب”، ملوّحًا بأن انخراط الغرب بهذا الشكل يستجلب ردًا روسيًا واسعًا. ورغم أن التصريحات الروسية تأتي في سياق دعايتها لتبرير الغزو، إلا أنها تتضمن نواة حقيقة: فقد انخرط حلف الناتو والولايات المتحدة في مواجهة غير مباشرة مع روسيا عبر دعم أوكرانيا، بشكل يُذكّر بأساليب الحرب الباردة. فالغرب يرى في الصراع فرصة لاستنزاف الجيش الروسي وإضعاف قدرة موسكو على تهديد جيرانها، دون المخاطرة بأرواح جنوده بشكل مباشر. ولعل تصريح وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن الشهير في أبريل 2022 بأن واشنطن تسعى لرؤية روسيا “أضعف” نتيجة حرب أوكرانيا، يشير بوضوح إلى هذه الأهداف الاستراتيجية الأوسع.
مع ذلك، يجادل كثير من المحللين بأن وصف الحرب في أوكرانيا بأنها مجرد “حرب بالوكالة” فيه تبسيط مخلّ وظلم للأوكرانيين. فالأوكرانيون ليسوا دمى تحركها واشنطن أو غيرها، بل لهم وكالتهم الذاتية ودوافعهم الوطنية الواضحة في القتال. إن اختزال الصراع بأنه بين موسكو وواشنطن يتجاهل حقيقة أن الشعب الأوكراني انتفض دفاعًا عن أرضه وحرية قراره. نعم، يتلقى الدعم الغربي الحاسم، لكن قراره بالصمود ومقاومة الغزو قرار سيادي نابع من إرادته. وفي حين يوفر الغرب السلاح والمعلومات، يبقى الأوكرانيون هم من يدفعون الثمن الأغلى من دمائهم وديارهم. وقد حذّر باحثون في مركز RAND من أن استخدام مصطلح “حرب بالوكالة” بشأن أوكرانيا فيه انتقاص من وكالة الأطراف المحلية وتبسيط مخل لعلاقاتها المعقدة مع داعميها. فلكل طرف مصالحه الخاصة، وليس صحيحًا أن أوكرانيا مجرد منفذ لإرادة الغرب؛ إذ كثيرًا ما تبدي كييف مواقف أو أولويات قد لا تتطابق تمامًا مع ما يريده حلفاؤها، كما ظهر أحيانًا في اختلاف وجهات النظر حول مدى التصعيد أو ضرب أهداف داخل روسيا.
والواقع أن أوكرانيا تجد نفسها بين شقّي الرحى: فهي من جهة ضحية لعدوان روسي غير مبرر يسعى لمحو استقلالها وإلحاقها قسرًا بمناطق النفوذ السوفييتية الغابرة، ومن جهة أخرى فهي أصبحت ساحة صراع دولي تستغلها القوى الكبرى لتحقيق مآربها. ومع استمرار الحرب، يزداد هذا البُعد الدولي بروزًا. فلكي تنتصر أوكرانيا وتحرر أراضيها تحتاج استمرار الدعم الغربي العسكري والمالي اللامحدود، ما يعني ارتهان قرارها جزئيًا لإرادة العواصم الداعمة. وفي المقابل، ترى روسيا أنها لا تقاتل أوكرانيا وحدها بل تواجه تحالفًا غربيًا كاملاً يُسلّح ويموّل كييف، مما يعزز سرديتها الداخلية بأن الحرب هي دفاع عن روسيا ضد هجوم غربي شامل. وهكذا تتداخل في أوكرانيا مستويات الصراع: حرب استقلال وطنية يخوضها الأوكرانيون، ومواجهة استراتيجية بين روسيا والغرب على شكل ومستقبل النظام الأمني الأوروبي.
لقد أدى هذا الواقع إلى تعقيد فرص إنهاء الحرب. فأي تسوية يجب أن تراعي ليس فقط مطالب كييف وموسكو، بل أيضًا مصالح واشنطن وحلفائها من جهة ومخاوف موسكو وشركائها من جهة أخرى. ورغم ذلك، يبقى من الخطأ إنكار دور أوكرانيا المحوري كلاعب فاعل. فقراراها بعدم الاستسلام والصمود البطولي غيّر حسابات العالم بأسره. كما أن قيادتها – وعلى رأسها الرئيس فولوديمير زيلينسكي – تمكّنت بمهارة إعلامية ودبلوماسية من حشد التأييد الدولي لقضيتها، مقدّمة صورة بلد يكافح بين أنياب قوة عظمى من أجل البقاء. وفي النهاية، أوكرانيا ضحية معتدى عليها وفق القانون الدولي، لكنها أيضًا باتت بحكم الأمر الواقع ساحة صراع دولي موسّع تتقاطع فيها استراتيجيات القوى الكبرى. والتحدي الأخلاقي والاستراتيجي للمجتمع الدولي هو مساعدة أوكرانيا على استعادة حقوقها دون الانزلاق إلى حرب عالمية مباشرة، ودون تحويل البلاد إلى حلبة صراع مستدام بالنيابة عن آخرين.
المصالح الاقتصادية والتقنية التي تؤجج استمرار الحرب
لا تُقاد الحروب فقط بالدوافع الأيديولوجية أو الجيوسياسية؛ فكثيرًا ما يكون وراء الستار مصالح اقتصادية وتقنية تغذي نار الصراع وتدفع أطرافًا بعينها إلى تفضيل استمراره. وفي الحالة الأوكرانية، ظهرت بوضوح معالم حرب اقتصادية موازية للحرب العسكرية، استفاد منها فاعلون مختلفون. فمن جهة، حققت صناعات السلاح العالمية أرباحًا طائلة نتيجة زيادة الطلب على الأسلحة والذخائر. وفقًا لتقارير موثوقة، بلغ إجمالي إيرادات أكبر 100 شركة أسلحة في العالم حوالي 632 مليار دولار عام 2023 – بزيادة 4.2% عن العام السابق – وذلك مدفوعًا بشكل رئيسي بالحروب والنزاعات المحتدمة وعلى رأسها حرب أوكرانيا. وقد ارتفعت مداخيل شركات السلاح الأمريكية والأوروبية مع تسابق الحكومات لتعويض مخزوناتها التي أُرسلت إلى كييف ولتعزيز قدراتها الدفاعية. فمثلًا، زادت عائدات شركات أوروبية تصنع الذخائر والمدفعية وأنظمة الدفاع الجوي بشكل ملحوظ عام 2023 تحت ضغط الطلب المتنامي المرتبط بالحرب. وفي ألمانيا رفعت شركة راينميتال إنتاجها من ذخائر المدفعية 155 مم، كما استفادت من عقود لتوريد دبابات ليوبارد لتعويض دول أرسلت دباباتها لأوكرانيا. أما الشركات الروسية للصناعات العسكرية، فرغم شح البيانات الرسمية، تشير التقديرات إلى أن الإنتاج الحربي الروسي ازداد بوتيرة ضخمة لتلبية متطلبات الحرب؛ إذ نمت إيرادات أكبر الشركات الروسية بنحو 40% عام 2023 نتيجة التحول إلى اقتصاد الحرب وتكثيف تصنيع الدبابات والصواريخ والمسيرات وغيرها.
إلى جانب أرباح صناعة السلاح، شهدت قطاعات الطاقة أيضًا تحولات جذرية ومكاسب ضخمة لبعض الأطراف على حساب أخرى. فقد أدت الحرب والعقوبات إلى اضطراب أسواق النفط والغاز وارتفاع أسعارهما لمستويات غير مسبوقة في 2022. وحققت شركات النفط الغربية الكبرى أرباحًا قياسية؛ إذ تضاعفت أرباح “عمالقة النفط” (مثل إكسون موبيل وشيل وبريتيش بتروليوم) لتصل إلى 219 مليار دولار في 2022، وهو رقم قياسي تاريخي. جاء هذا الارتفاع نتيجة ارتفاع الأسعار وتقلباتها الحادة بفعل الحرب، ما مكّن الشركات من جني ما وصف بـ”أرباح حرب”. كما استفادت دول منتجة أخرى كدول الخليج من ازدهار عوائد النفط والغاز خلال الأزمة. في المقابل، تضررت روسيا نفسها اقتصاديًا رغم استمرار تدفق بعض العائدات؛ إذ فقدت جزءًا كبيرًا من سوقها الأوروبي التقليدي للغاز واضطرت لبيع نفطها بخصومات للصين والهند لتعويض المقاطعة الغربية. ومع ذلك، مكّنت الأسعار المرتفعة موسكو من جني مداخيل مَوّلت بها مجهودها الحربي جزئيًا حتى مع انخفاض الكميات المصدرة.
أما المصالح التقنية فتلعب دورها كذلك في إطالة أمد الحرب. لقد أصبحت أوكرانيا ميدان اختبار عملي لأنظمة تسليح وتقنيات عسكرية جديدة. ظهر ذلك في الاستخدام الواسع لـالمسيرات (الدرونز) والاستطلاع بالأقمار الصناعية، وحرب الإلكترونيات والسيبرانية بين الطرفين. العديد من الشركات التقنية والدول وجدت في الحرب فرصة لتجريب أسلحتها وإبراز فعاليتها في ظروف قتال حقيقية، ما يزيد مبيعاتها عالميًا. على سبيل المثال، حظيت المسيرات التركية بيرقدار TB2 بشهرة عالمية بعد استخدامها من قبل أوكرانيا لضرب المدرعات الروسية، ما أدى إلى إقبال عدة دول على شرائها. وقد ارتفعت عائدات شركة بايكار التركية المُصنِّعة لتلك المسيّرات بنسبة 25% في 2023 لتصل إلى 1.9 مليار دولار، 90% منها من التصدير، بفضل سمعة نجاح مسيراتها في ساحة المعركة الأوكرانية. كذلك دفعت حاجة أوكرانيا الماسة للدفاع الجوي الدول الغربية لتطوير تقنيات اعتراضية جديدة ضد الصواريخ والمسيرات، ما سرّع أبحاث وأنشطة شركات الصناعات الجوية والدفاعية في هذا المجال.
علاوة على ذلك، هناك مصالح اقتصادية غير مباشرة عززت من عدم رغبة بعض الأطراف في وقف الحرب سريعًا. فالعقوبات الغربية على موسكو – رغم هدفها المعلن شل قدرة روسيا – وفرت فرصًا تجارية لبعض الدول والشركات التي ملأت فراغ خروج روسيا من أسواق معينة. مثلًا، وجدت بعض دول الشرق الأوسط وآسيا فرصة لزيادة صادراتها من الطاقة إلى أوروبا لتعويض الغاز الروسي. وحققت الولايات المتحدة نفسها مكاسب بتصديرها كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا خلال شتاء 2022–2023 بأسعار عالية، مما خفف أزمة الطاقة الأوروبية ووفر أرباحًا لشركات الغاز الأمريكية. كما أنعش سباق التسلح في أوروبا إثر الحرب مصانع السلاح الأمريكية التي فازت بعقود ضخمة من دول الناتو (كصفقات طائرات إف-35 للصمود أمام التهديد الروسي).
من جهة أخرى، تكبدت روسيا وأوكرانيا نفسيهما تكاليف اقتصادية هائلة جراء الحرب. لكن يُلاحظ أن الاقتصاد الروسي تمكن من الصمود النسبي بفضل ارتفاع عائدات السلع الأساسية والتحول إلى اقتصاد حرب، فيما تداعت أجزاء كبيرة من الاقتصاد الأوكراني تحت وطأة الدمار وانخفاض الناتج القومي بنسب حادة. ورغم المساعدات الغربية لأوكرانيا، يبقى اقتصادها في حالة اعتماد كامل على الدعم الخارجي، ما يعني أن استمرار تدفق الأموال والأسلحة أصبح شريان حياة لكييف ومكوّنًا من مكونات مصالح بعض الأطراف في الغرب (سواء دفاعيًا أو سياسيًا). هذا لا يعني بالطبع أن الدول الغربية تطيل الحرب عمدًا لأجل المكاسب الاقتصادية – فالدوافع الاستراتيجية والأخلاقية هي الأساس – لكنه يعني أن هناك قطاعات نافذة تستفيد من حالة الحرب وقد لا تمانع في استمرارها. لهذا غالبًا ما يُثار التساؤل النقدي: هل باتت الحرب أيضًا “صناعة” تستفيد منها مجمعات صناعية–عسكرية وشركات طاقة، مما يخلق لوبيًا غير معلن يؤثر على قرارات السلم والحرب؟
باختصار، لعبت الديناميات الاقتصادية والتكنولوجية دورًا مهمًا في خلفية الصراع. فالارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري عالميًا وتدفق السلاح، والطفرة في أرباح شركات الطاقة والسلاح، والتسابق التقني في ساحة المعركة – كلها عوامل شكلت حوافز مادية لمواصلة الحرب أو على الأقل قللت من اندفاع بعض الأطراف نحو التسوية السريعة. وهذه العوامل الاقتصادية التقنية المتشابكة تجعل إنهاء الحرب أكثر تعقيدًا، إذ ترتبط بقطاع عريض من المصالح الممتدة عبر دول وشركات متعددة.
دور الإعلام العالمي في تضليل أو توجيه الرأي العام
لعب الإعلام – التقليدي والرقمي على حد سواء – دورًا حاسمًا منذ اليوم الأول للحرب في تشكيل الروايات وتوجيه الرأي العام العالمي تجاه الصراع. فقد اندلعت بالتوازي مع المعارك العسكرية حرب معلومات ودعاية شرسة، سخّر فيها كل طرف إمكاناته الإعلامية لتقديم سرديته وتعبئة الدعم الدولي لصالحه أو لتشويه صورة خصمه. ووسط هذا السيل من المعلومات المتضاربة، برزت حالات من التضليل الإعلامي المتعمد وأخرى من البروباغندا الموجهة، ما جعل تتبع الحقائق مهمة شاقة للمراقبين العاديين.
على الجانب الأوكراني والغربي، اعتمد الإعلام بشكل كبير على إبراز البطولة الأوكرانية وجرائم الحرب الروسية لتأليب الرأي العام ضد موسكو. استخدمت كييف بمهارة منصات التواصل الاجتماعي وظهرت قصص رمزية ألهمت المتابعين حول العالم – رغم ثبوت عدم صحتها لاحقًا. من أشهر الأمثلة أسطورة “شبح كييف”، وهو طيار أوكراني قيل إنه أسقط وحده عدة طائرات روسية في الأيام الأولى للغزو. انتشرت القصة سريعًا وأصبحت رمزًا لمقاومة الشعب الأوكراني، لكنها اتضح لاحقًا أنها محض خيال دعائي بهدف رفع المعنويات. فقد اعترفت القوات الجوية الأوكرانية بعد شهرين أن “الشبح” لم يكن سوى أسطورة، ودعت المواطنين إلى التحقق من المعلومات قبل تداولها. لكن بحلول ذلك الوقت كانت القصة قد أدت غرضها في تعزيز المعنويات وإظهار الروس بموقف العاجز أمام بطولات أوكرانيا الخارقة. ومثلها قصة الجنود الأوكرانيين في جزيرة الأفعى الذين واجهوا بارجة روسية بعبارة تحدي شهيرة – تبيّن لاحقًا أنهم لم يُقتلوا بل أُسروا ثم أطلق سراحهم. هذه الأمثلة وغيرها كشفت جانبًا من البروباغندا الأوكرانية (بمساعدة غربية) التي هدفت إلى كسب الحرب الإعلامية عبر صناعة رموز وبطولات، وهو أمر مفهوم في سياق دفاع شعب عن وجوده.
في المقابل، شنّت روسيا وحلفاؤها حملة إعلامية مضادة اعتمدت كثيرًا على نشر الأكاذيب ونظريات المؤامرة لتبرير الغزو وتضليل الجمهور بشأن الوقائع على الأرض. منذ البداية روج الكرملين مزاعم “اجتثاث النازية” في أوكرانيا، مدعيًا أن حكومة كييف يديرها قوميون متطرفون يضطهدون الناطقين بالروسية، وصولًا إلى اختلاق اتهامات بالإبادة الجماعية في دونباس لتبرير التدخل. وعندما انكشفت الفظائع في المدن الأوكرانية المحتلة مثل مجزرة بوتشا، سارع الإعلام الروسي لوصفها بأنها مسرحية مفبركة من الغرب لتشويه روسيا. أعلن المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف أن صور المدنيين القتلى في بوتشا مجرد “تزوير مشين” و”عرض تراجيدي مُفتعل” لتشويه سمعة الجيش الروسي. بل وزعم مسؤولون روس – دون أي دليل – أن المخابرات الأوكرانية وبمساعدة شركات علاقات عامة غربية ربما قتلت مدنيين أو لفقت أدلة لإلصاق تهمة الجرائم بروسيا. هذا النهج الروسي في إنكار الحقائق الواضحة واتهام الآخرين بفبركتها يُظهر استراتيجية موسكو الإعلامية القائمة على التشكيك المطلق. فقد أدرك الكرملين أن الاعتراف بالجرائم سيعني إدانة دولية ساحقة، فاختار الهجوم الإعلامي المعاكس: كل شيء كذب ومؤامرة غربية، والإعلام الغربي “متحيز ومنافق” يغض الطرف عن جرائم أوكرانية مزعومة بحق الروس.
وفي خضم هذه الحرب الإعلامية، وجد الرأي العام العالمي نفسه في مواجهة سيل من الروايات يصعب فرزه. في الغرب، سادت تغطية إعلامية منحازة بقوة لأوكرانيا (وهو انحياز مفهوم أخلاقيًا)، لكن ذلك رافقه أحيانًا تضليل أو مبالغات أثرت على وعي الجمهور. الإعلام الروسي (عبر قنوات كـRT وسبوتنيك) روج روايات مناقضة، واستهدف أيضًا جماهير إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية برسائل تتهم الغرب بالنفاق – مثل التركيز على ازدواجية المعايير في تعاطي أوروبا مع لاجئي أوكرانيا مقارنة بلاجئي الشرق الأوسط، أو إبراز معاناة الشعوب النامية من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بسبب حرب ليست طرفًا فيها. كما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي حملات تضليل منظمة: شبكات من الحسابات الوهمية والروبوتات الإلكترونية تبث أخبارًا زائفة أو نظريات مثل وجود معامل بيولوجية أمريكية سرية في أوكرانيا، أو اتهام زيلينسكي بأنه دُمية بيد واشنطن تدمر بلدها لأجل مصالح الناتو. واستهدفت هذه الحملات شرخ الدعم الشعبي الغربي لأوكرانيا وإثارة الشكوك حول جدوى العقوبات أو إرسال الأسلحة.
رغم ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن الإعلام العالمي لم يكن كله مضللًا؛ فقد قامت مؤسسات صحفية رصينة بتغطية ميدانية ممتازة من قلب أوكرانيا، كاشفة حقائق الجرائم ومراقبة مصداقية الروايات. ولعب الصحفيون الاستقصائيون دورًا هامًا في التحقق من مقاطع الفيديو والصور المنتشرة للتأكد من صحتها. على سبيل المثال، سارع صحفيون غربيون للتحقق من مشاهد بوتشا عبر صور الأقمار الصناعية مؤكدين أن الجثث كانت على الأرض منذ أيام قبل دخول الأوكرانيين، مما دحض مزاعم روسيا بفبركتها. كما أن الإعلام الأوكراني ذاته رغم انخراطه في الدعاية الحربية التزم أحيانًا بتصحيح المعلومات الخاطئة كما حدث مع قصة “شبح كييف”. بالمقابل، اتسم الإعلام الروسي الرسمي بانعدام تام للمصداقية في نظر أغلب العالم الحر بسبب كم الأكاذيب الفجّة التي تبناها.
في المحصلة، أدى الاستقطاب الإعلامي إلى خلق واقع يرى فيه كل جمهور صورة مختلفة للحرب. فالغربيون يرون بوتين المعتدي الشرير وجيشه الذي يرتكب الفظائع، والأوكراني البطل المدافع عن الديمقراطية – وهذه صورة صحيحة في جوهرها ولكنها غالبًا بدون سياق الخلفيات التاريخية أو الاعتراف ببعض تعقيدات المشهد. أما من يتابعون الإعلام الروسي أو الصيني أو بدائل غير غربية، فقد تصلهم صورة مشوشة عن حرب سببها “استفزاز الناتو” وأن روسيا تخوضها دفاعًا عن النفس ضد فاشيين، إلخ. وهنا تكمن خطورة الإعلام: فهو سلاح ذو حدين، إما أن يُستخدم لتعبئة العالم نحو السلام عبر إظهار الحقيقة المجرّدة، أو لاستثارة المشاعر القومية وتصعيد الصراع عبر نشر التضليل. وحتى الآن، وעם الأسف، استُخدم هذا السلاح في أغلب الأحيان لتأجيج المواقف لا لتهدئتها، مما أسهم في إطالة أمد الحرب عبر تحشيد الدعم الشعبي لمواصلة القتال لدى طرفي النزاع ومؤيديهم.
غياب الإرادة الحقيقية لوقف إطلاق النار: من يعرقل الحل؟
رغم الدمار الهائل والخسائر المتزايدة، لم تتمكن الجهود الدبلوماسية حتى الآن من تحقيق وقف لإطلاق النار أو بدء مفاوضات سلام جدية. ويطرح ذلك تساؤلًا ملحًا: هل هناك غياب لإرادة حقيقية لدى أطراف النزاع الرئيسية لوقف الحرب؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية عرقلة مساعي الحل السلمي حتى الآن؟
بدايةً، يبدو واضحًا أن القيادة الروسية لم تصل بعد إلى قناعة بضرورة إنهاء الحرب دون تحقيق أهدافها المعلنة. يرى كثير من المحللين أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يزال مصرًا على مواصلة القتال لأسباب استراتيجية وشخصية. فبالنسبة له، تُعد أوكرانيا ملفًا وجوديًا؛ إذ يعتبر ضمها أو إبقاءها في فلك النفوذ الروسي جزءًا أساسيًا من إرثه التاريخي. كما أنه – وفق تقديرات استخبارية – لا يعتقد أن الحرب خاسرة أو مستحيلة النصر بالنسبة لروسيا، رغم الانتكاسات. فبوتين على ما يبدو يعوّل على تفوق روسيا العددي والعسكري مع مرور الوقت، ويراهن أن القوات الأوكرانية ستنهار أو يُخفض الغرب دعمه في نهاية المطاف. إضافة لذلك، يبدي بوتين ريبة تجاه أي وقف إطلاق نار في الوضع الراهن، إذ يعتبر خطوط التماس الحالية غير مستقرة وسيعدّها الغرب فرصة لإعادة تسليح أوكرانيا، وبالتالي فهو يفضّل استكمال العمليات للسيطرة على مزيد من الأراضي لضمان موقف تفاوضي قوي.
على الجانب الأوكراني، ورغم الثمن الباهظ المستمر، تصرّ القيادة في كييف (بدعم شعبي واسع) على عدم القبول بوقف إطلاق نار يُكرّس أي مكاسب روسية. فالرئيس زيلينسكي أعلن مرارًا أن بلاده لن توافق على تجميد الصراع بينما تحتل روسيا نحو 20% من أراضيها، لأن ذلك سيكون بمثابة “مينسك 3” جديد (في إشارة لاتفاقيات سابقة جمدت النزاع ومنحت روسيا وقتًا للإعداد). كما أصدر مرسومًا يحظر التفاوض مع بوتين تحديدًا. الموقف الأوكراني المتشدد مفهوم: فالشعب الأوكراني الذي صمد أمام واحدة من أقوى الجيوش لن يتقبل حلًا يُضحي بأرضه بعد كل هذه التضحيات. ولدى كييف أيضًا دعم غربي مشروط بأن أمر التفاوض متروك لها (“لا شيء عن أوكرانيا بدون أوكرانيا”). أي أن الحلفاء تعهدوا بعدم الضغط على أوكرانيا لتقديم تنازلات إقليمية قسرًا. وهكذا تشعر القيادة الأوكرانية بحرية متابعة القتال طالما المساعدات تتدفق، آمِلةً بقلب الموازين عسكريًا واستعادة المزيد من الأراضي قبل أي تفاوض.
يذهب بعض النقاد إلى القول إن هناك أطرافًا غربية نافذة لا تمانع في استمرار استنزاف روسيا عبر حرب طويلة، معتبرين ذلك يخدم المصلحة الاستراتيجية بإضعاف خصم رئيسي دون خسائر بشرية غربية. وفي السياق، سرت تقارير عن تدخلات غربية لعرقلة محاولات مبكرة للتسوية. فمثلًا، زيارة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون المفاجئة إلى كييف في أبريل 2022 – في خضم جولة مفاوضات تركية بين الروس والأوكرانيين – يُعتقد أنها ساهمت في إفشال اتفاق وشيك. إذ أفادت مصادر أن جونسون حمل رسالة دعم لزيلينسكي لكنه أيضًا حثّه على عدم تقديم تنازلات لروسيا، مشددًا على أن بوتين لا يمكن الثقة به وأن الغرب غير مستعد لإنهاء الحرب في تلك المرحلة. وفي الواقع، كان المفاوضون الروس والأوكرانيون قد تواصلوا إلى مسودة تسوية مبدئية تقضي بانسحاب روسيا إلى خطوط ما قبل الغزو مقابل تعهّد أوكرانيا بالحياد وعدم الانضمام للناتو مع حصولها على ضمانات أمنية. لكن – وفق مصادر Foreign Affairs – رفض بوتين نفسه المضي بهذا الاتفاق ووسّع أهدافه الميدانية، فيما شجّع داعمو أوكرانيا قيادتها على الصمود والمقاومة بدل القبول بصفقة تعتبر غير عادلة في نظرهم. وهكذا انهارت تلك الفرصة.
إلى جانب ذلك، تلعب الأهداف القصوى لكل طرف دورًا في غياب منطقة وسط للتفاوض حاليًا. فروسيا رفعت سقف مطالبها مع ضمها الأحادي لأربع مناطق أوكرانية (دونيتسك ولوهانسك وخيرسون وزابوريجيا) في سبتمبر 2022، وأعلنت أنها غير قابلة للتفاوض. أي شرط روسي حالي هو اعتراف كييف والعالم بهذه الضم، وهو أمر مرفوض تمامًا أوكرانيًا ودوليًا. بالمقابل، تطرح أوكرانيا وحلفاؤها شرطًا مضادًا يتمثل في انسحاب روسي كامل من كل الأراضي الأوكرانية بما فيها القرم كمنطلق للتفاوض، وهذا بالطبع غير مقبول لروسيا حاليًا. هذا التباعد الكبير يعني أنه لا توجد قاعدة مشتركة للبدء بحوار سياسي، خاصة في ظل غياب الثقة وانعدام الضامن القادر على فرض أو مراقبة أي اتفاق.
كما أن عوامل داخلية لدى الأطراف تُعقّد قبولهم بوقف الحرب الآن. فبوتين يواجه اعتبارات سياسية داخلية تمنعه من إبداء أي ضعف؛ فقبول وقف إطلاق نار دون “نصر” واضح قد يهدد هيبته ونظام حكمه. كذلك زيلينسكي، الذي تحول إلى بطل قومي، سيكون من الصعب عليه القبول بحلّ يُنظر إليه كتراجع دون دعم شعبي وبرلماني كافٍ. وفي الغرب، تخشى الحكومات أن الضغط على أوكرانيا للتنازل سيُعتبر خيانة لمبادئ الديمقراطية وإذعانًا للعدوان، ما سياسياً مكلف. لذا يُفضّل القادة الغربيون حتى الآن إطالة أمد المواجهة على أمل تحسين شروط كييف قبل أي طاولة مفاوضات مستقبلية، عوض المخاطرة بصفقة سلام متسرعة تقوض القانون الدولي وتشجع المعتدين مستقبلاً.
يمكن القول إن جميع الأطراف الرئيسية حاليًا غير مستعدة بشكل حقيقي لوقف إطلاق النار إلا وفق شروطها المنتصرة. فكل طرف لا يزال يعتقد – أو يأمل – بإمكانية تحقيق مكاسب إضافية عسكريًا تغير ميزان التفاوض لصالحه. وهذا ما وصفه أحد المحللين بحالة “الحرب الأبدية” حيث لا طريق واضحة للنصر لأي طرف ولا استعداد للاعتراف بالهزيمة. إنها معضلة شبيهة بصراعات ماضية (كحرب فيتنام أو أفغانستان) حيث يطيل الإنكار والمكابرة أمد الحرب رغم استحالة الحسم التام. وكما يؤكد الخبراء، يصعب جدًا على الزعماء السياسيين الإقرار بالفشل طالما لم تُهزم جيوشهم ميدانيًا بالكامل ولم تُغلق كل خيارات التصعيد.
في المحصلة، يتحمل العرقلة الأساسية لجهود السلام اطراف عدة وإن بدرجات متفاوتة. فموسكو باعتبارها البادئة بالحرب والمسؤولة عن استمرار عدوانها، لم تقدم حتى الآن أي طرح واقعي مقبول دوليًا للتسوية، بل زادت مطالبها توسيعًا. وكييف بدعم من حلفائها مصرة على استرداد أراضيها كاملة كحق سيادي، وترفض وقفًا للنار يجمد الوضع، خاصة وأنها تملك زخم الدعم الغربي. أما القوى الغربية الكبرى، فرغم تصريحاتها عن دعم الحل الدبلوماسي، لم تمارس ثقلها بعد لفرض تنازلات متبادلة، وربما لأنها لا ترى في الأفق تسوية عادلة ومستدامة مع بقاء بوتين في السلطة. وبذلك يستمر المشهد الحالي: لا غالب ولا مغلوب، ولا مفاوضات حقيقية – فقط مزيد من الدماء بانتظار تغير ما في حسابات أحد الأطراف يفرض الاتجاه نحو طاولة الحوار.
الحقيقة المغيبة: هل أصبح الصراع نموذجًا للحرب الطويلة؟
مع دخول الحرب عامها الثالث واتساع رقعتها الزمنية والجغرافية، تترسخ لدى المراقبين قناعة بأن الصراع الروسي–الأوكراني آخذ في التحول إلى حرب طويلة الأمد أو حرب استنزاف مزمنة، وربما نموذج مستقبلي لما يسمى “الحرب الطويلة”. فكل المؤشرات الحالية تدل على غياب حل عسكري سريع وعلى استعداد الأطراف لمواصلة القتال لمدى غير منظور، مما يثير مخاوف من تكرار سيناريوهات صراعات مجمدة لسنوات أو عقود. وهذه حقيقة مُغيّبة إلى حد ما وسط الخطاب السياسي التفاؤلي أحيانًا؛ لأن الاعتراف بها يعني الإقرار بفشل النظام الدولي في منع حرب تقليدية كبرى من التحول إلى نزاع شبه دائم.
لقد بات هذا الصراع بالفعل حرب استنزاف كلاسيكية: خطوط جبهة ثابتة تقريبًا مع تبادل هجمات هنا وهناك دون اختراقات حاسمة، تكتيكات حفر الخنادق والتحصينات كما في حروب القرن الماضي، ومدن وقرى تتنازع السيطرة عليها شهورًا مديدة (كما حدث في باخموت وغيرها). وفي ظل التوازن النسبي للقوى بفعل الدعم الخارجي لأوكرانيا والتعبئة الروسية، ليس هناك منتصر واضح في الأفق. وكما قال أحد الخبراء: “لا يملك أي من الطرفين مسارًا واضحًا لتحقيق النصر؛ وهذا تحديدًا ما يعني أن نكون في حرب أبدية”. فكل طرف يمني النفس بتغير المعادلة لصالحه مع مرور الوقت، بينما الوقت ذاته يمرّ حاصدًا المزيد من الأرواح والموارد.
إن طول أمد الحرب بدأ يغير طبيعتها ووتيرتها. بعد فشل روسيا في تحقيق نصر خاطف عام 2022، اعتمدت استراتيجية نَفَس طويل: تجنيد مئات الآلاف من جنود الاحتياط، وتكييف اقتصادها مع حاجات الحرب المستمرة، والسعي لكسب حلفاء جدد أو على الأقل متعاطفين لكسر العزلة. وأوكرانيا من جانبها تحولت إلى دولة تعبئة شاملة، حيث الاقتصاد والمجتمع في خدمة المجهود الحربي، معتمدة كليًا على شريان الدعم الغربي المتواصل. وبينما يعاني الطرفان اقتصاديًا وبشريًا، إلا أنهما أبديا قدرة عالية على التحمل: فالجيش الروسي رغم خسائره الفادحة مستمر في هجماته المحدودة، والجيش الأوكراني رغم الإرهاق يشن هجمات مضادة كلما سنحت له الفرصة. لقد أصبحت الحرب وضعًا اعتياديًا في حياة البلدين اليومية، بكل ما يحمله ذلك من مخاطر تطبيع الصراع وإطالة أمده.
على المستوى الدولي، بدأنا نرى ملامح ملل أو فتور نسبي من الحرب لدى بعض الأوساط، مع تراجعها في عناوين الأخبار أحيانًا لصالح أزمات أخرى. وهذا من أخطر ما قد يحدث، لأن تجاهل الصراع قد يسمح له بالتحول إلى “حرب منسية” تستعر تحت الرماد بلا حلول، كما حصل في نزاعات أخرى أهملها العالم. لكن حتى الآن، ما زال الغرب ملتزمًا بقوة بدعم أوكرانيا، وروسيا مصممة على مواصلة المعركة، ما يعني استمرار دائرة العنف إلى إشعار آخر. ولا يستبعد محللون أن 2024 و2025 ربما يشهدان استمرارًا للقتال بمستوى منخفض أو متوسط الشدة، دون توقيع سلام رسمي – ربما أقرب لسيناريو حرب الكوريتين في الخمسينيات التي انتهت بهدنة لا بمعاهدة، لتبقى حالة الحرب تقنيًا قائمة لعقود.
هذه الحقيقة المحبطة – أي احتمال تحول الحرب لصراع مجمد طويل – غالبًا ما تُغيَّب في التصريحات العلنية. فكل طرف لا يزال يرفع شعارات الحسم والنصر: أوكرانيا تتحدث عن استعادة كل أراضيها، وروسيا عن تحقيق أهداف “العملية الخاصة”. لكن على الأرض، ومع الجمود الحالي، يقر بعض القادة الضمني بطول المواجهة. حتى حلفاء أوكرانيا بدأوا يخططون للاحتمالات طويلة المدى؛ فتصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخرًا كانت لافتة، حيث قال إن على أوروبا أن تستعد لـ”حرب طويلة” في أوكرانيا، وفي الوقت نفسه دعا لمواصلة الحوار مع بوتين لجعل السلام ممكنًا يومًا ما. هذه النظرة المزدوجة – الاستعداد لطول الحرب مع إبقاء باب التفاوض – تعكس إدراكًا متزايدًا بأننا أمام نزاع ممتد قد لا ينتهي إلا بتغيرات جوهرية في توازن القوى أو القيادة السياسية لأحد الطرفين.
من زاوية أخرى، يخشى البعض أن تُلهم هذه الحرب أنماطًا جديدة من الصراعات الطويلة بالوكالة، حيث تمتد الاشتباكات لسنوات على أراضي دول معينة بينما تدعمها قوى كبرى من بعيد. لقد رأينا شيئًا مشابهًا في سوريا واليمن سابقًا، لكن في أوكرانيا – البلد الأوروبي الكبير – يتجسد ذلك بشكل أوضح. وإذا لم تُحل هذه الحرب قريبًا، فقد تصبح سابقة خطيرة لحروب مماثلة مستقبلاً تُدار فيها المنافسات بين القوى العظمى على حساب دول أصغر تدفع الثمن.
مع ذلك، لا ينبغي التسليم بأن الحرب حتمًا ستستمر إلى ما لا نهاية. فالتاريخ مليء بحروب بدت بلا خاتمة ثم انتهت فجأة بتحولات سياسية غير متوقعة أو بتعب أحد الأطراف. الحرب الإيرانية–العراقية استمرت 8 سنوات طاحنة ثم انتهت باستنزاف الطرفين. والحرب الباردة ذاتها – التي شبه البعض حرب أوكرانيا بها – انتهت بطريقة دراماتيكية بانهيار الاتحاد السوفييتي. وبالتالي، فبينما يُستخلص الدرس حاليًا بأن حرب أوكرانيا مثال للحروب الطويلة والمعقدة، يبقى الأمل قائمًا أن لا يتحول هذا الدرس إلى نبوءة تحقق ذاتها. فلا يزال بالإمكان – عبر جهود دبلوماسية مكثفة وإرادة سياسية صلبة – منع ترسيخ الصراع وإيجاد تسوية تضمن سلامًا عادلاً، قبل أن يقضي هذا النزاع المستطيل على المزيد من الأرواح ويزعزع الاستقرار العالمي لسنوات أطول.
دور المؤسسات الدولية: غياب، تواطؤ، أم عجز؟
مع اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية، توجهت الأنظار إلى المؤسسات الدولية الكبرى، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، توقعًا بأن تلعب دورًا في إيقاف النزاع أو احتوائه. لكن الواقع أثبت أن هذه المؤسسات وقفت إلى حد بعيد عاجزة عن منع أو وقف الحرب، ما أثار انتقادات حادة حول مدى فعاليتها وحياديتها. فهل كان ذلك غيابًا متعمدًا أو تواطؤًا من نوع ما، أم أنه عجز بنيوي في منظومة الأمن الجماعي الدولي؟
في مجلس الأمن الدولي – الجهاز المسؤول عن حفظ السلام والأمن العالميين – بدت المعضلة بجلاء منذ الأيام الأولى. فروسيا بوصفها عضوًا دائمًا تمتلك حق النقض (الفيتو)، استخدمته مرارًا لإحباط أي قرار يدين غزوها أو يطالبها بالانسحاب. وهكذا شُلّ المجلس تمامًا حيال أخطر أزمة أمنية في أوروبا منذ عقود، مما ذكر الجميع بنقطة الضعف التاريخية للأمم المتحدة: عندما يكون المعتدي نفسه أحد الكبار الخمسة الممسكين بزمام القرار الدولي، يصبح النظام عاجزًا عن كبحه. وقد وصفت تحليلات ذلك بأنه “حجر عثرة أساسي أمام السلام” أن تتمكن دولة من حماية عدوانها بالفيتو. هذا العجز ليس جديدًا – شهدناه إبان حروب وأزمات سابقة – لكنه برز هنا بشكل صارخ. وبالتالي، لم يستطع مجلس الأمن فعل أكثر من عقد اجتماعات دورية لتبادل الاتهامات بين ممثلي روسيا والدول الغربية، بينما سالت الدماء على الأرض دون أي قرار ملزم. وحتى محاولة تحويل الأمر إلى الجمعية العامة لاستصدار قرار تحت إطار الاتحاد من أجل السلام (لتفادي الفيتو) لم يسفر إلا عن قرارات غير ملزمة أدانت الغزو بأغلبية كبيرة، لكنها بقيت رمزية التأثير.
يجادل البعض بأن الأمم المتحدة بهذا الموقف بدت وكأنها متواطئة بالصمت، أو على الأقل غائبة الفعالية تمامًا. صحيح أن هيئات أممية أخرى مثل الوكالات الإنسانية وبرنامج الأغذية العالمي تحركت لتقديم الإغاثة لملايين اللاجئين والنازحين، كما لعبت الأمم المتحدة دورًا في اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود (بفضل وساطة الأمين العام أنطونيو غوتيريش) صيف 2022. لكن كل هذه الجهود جاءت في الإطار الإنساني والتخفيفي، بينما بقي الملف السياسي والأمني عصيًا على تدخل المنظمة. قد لا يكون الإنصاف اتهام الأمم المتحدة بالتواطؤ، فهي مكبلة بنصوص الميثاق الذي يعطي الكبار هذه الصلاحيات المفرطة. لذا الأدق القول إننا شهدنا عجزًا هيكليًا لمنظومة الأمن الجماعي، ما دفع الكثيرين – حتى من داخل المؤسسة – للمطالبة بإصلاحات جذرية كإعادة النظر بحق الفيتو في حالات الإبادة والجرائم الكبرى، أو توسيع عضوية مجلس الأمن ليصبح أكثر تمثيلًا وشرعية في مثل هذه الأزمات.
إلى جانب الأمم المتحدة، هناك منظمات دولية وإقليمية أخرى كان يؤمل أن تلعب دورًا. مثلاً، منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) التي كانت تراقب الوضع في دونباس منذ 2014، وجدت نفسها مشلولة بعد 2022، بل واضطرت لسحب بعثتها مع اشتداد القتال. كما أن روسيا انسحبت أو جُمدت عضويتها في عدة مؤسسات (مثل مجلس أوروبا)، ما قطع قنوات التواصل المتعددة الأطراف معها. أما الاتحاد الأوروبي، فتحول إلى طرف شبه مباشر في الصراع من خلال دعمه لأوكرانيا وفرضه العقوبات على روسيا، وبالتالي لم يكن طرفًا محايدًا يصلح للتوسط.
وفيما يتعلق بالقانون الدولي، أحالت أوكرانيا الأمر إلى محكمة العدل الدولية التي أصدرت في مارس 2022 أمرًا احترازيًا يطالب روسيا بوقف العمليات العسكرية فورًا – لكن موسكو تجاهلته كليًا. وكذلك أصدر المحكمة الجنائية الدولية (ICC) مذكرة توقيف بحق بوتين نفسه في مارس 2023 على خلفية جرائم حرب (ترحيل أطفال أوكرانيين)، ما شكل إدانة رمزية قوية، لكنه بالتأكيد لم يقرّب إنهاء الحرب بل ربما عقد المسار التفاوضي. فروسيا ببساطة لا تعترف بالجنائية الدولية، واعتبرت الخطوة استفزازًا آخر من الغرب.
لقد ظهر أيضًا دور خجول للأمم المتحدة كوسيط سلام. إذ قام الأمين العام بزيارات لكييف وموسكو وطرح أفكارًا، لكن نفوذ المنظمة محدود أمام تعنت الأطراف. وحاولت دول محايدة كجنوب أفريقيا والصين تقديم مبادرات سلام (خطة من 10 نقاط من أفريقيا، وخطة صينية من 12 بندًا)، لكنها لم تحظ بالزخم لغياب التأييد الغربي لها ورفض أوكرانيا تقديم تنازلات إقليمية ضمنيًا فيها.
من زاوية أخرى، تعرضت المؤسسات الدولية أحيانًا لاتهام “الكيل بمكيالين” أو انحياز اهتماماتها. فدول العالم النامي تساءلت: لماذا تحشد الدول الكبرى المجتمع الدولي لنجدة أوكرانيا سريعًا بينما تقاعست تلك المؤسسات والكبراء عن وقف نزاعات دامية في الشرق الأوسط أو أفريقيا لسنوات؟ وهذا وإن كان طرحًا سياسيًا أكثر منه قانونيًا، إلا أنه أثر على درجة التضامن العالمي عبر المؤسسات. فبدا أن هناك دولًا – كالصين والهند – لا تثق بحياد تلك المنظمات التي تهيمن عليها القوى الغربية، وبالتالي لم تصوت لصالح قرارات تدين روسيا في الجمعية العامة، ما أعطى انطباعًا بفشل المجتمع الدولي في التوحد حتى في الإطار الأممي.
في المحصلة، يمكن توصيف دور المؤسسات الدولية في هذه الحرب بأنه غير فاعل إلى حد كبير: ليس بالضرورة ناتجًا عن تواطؤ متعمد، بل بسبب قيود هيكلية (الفيتو) واستقطاب سياسي قسم تلك المؤسسات وعطّل قدرتها. لقد ذكرتنا الحرب الأوكرانية أن نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية بحاجة ماسة لإصلاح إذا أريد له أن يتعامل مع نزاعات اليوم. فكما قال خبراء: هذه الحرب أبرزت مجددًا كيف أن حق النقض في مجلس الأمن عقبة كأداء أمام السلام، وكيف أن المنظمات الدولية تقف عاجزة حين يكون أحد أطراف النزاع قوة عظمى. وفي انتظار تلك الإصلاحات – التي قد تطول – سيبقى الدور الأساسي لوقف الحرب مبنيًا على إرادة الأطراف ذاتها وضغوط الدول الكبرى خارج الأطر المؤسسية التقليدية.
خارطة طريق ICCSSM للسلام العادل
أمام هذا المشهد المعقد والمأساوي، يطرح المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام (لندن) رؤيته الخاصة لسبيل الخروج من النفق المظلم نحو سلام عادل ودائم في أوكرانيا. تنطلق هذه الرؤية من موقف دولي محايد ملتزم بتحقيق السلام واحترام القانون الدولي، وتأخذ بالاعتبار المخاوف الأمنية المشروعة لجميع الأطراف. إننا ندرك أن أي خارطة طريق واقعية ينبغي أن تكون شاملة ومتدرجة، وتعالج جذور النزاع وتوفر ضمانات قوية للتنفيذ. وفيما يلي أبرز معالم خارطة الطريق المقترحة:
1. وقف فوري وشامل لإطلاق النار تحت إشراف دولي: لا يمكن بدء أي عملية سلام قبل إسكات المدافع. لذا ندعو إلى اتفاق هدنة فورية ترعاها الأمم المتحدة، تقبل به روسيا وأوكرانيا دون شروط مسبقة. يتم نشر مراقبين دوليين (ربما من دول محايدة مثل الهند والبرازيل والنمسا) لمراقبة الالتزام بوقف النار على خطوط التماس. هذه الهدنة يجب أن تكون ثابتة وليست مجرد استراحة تكتيكية، وبالتالي تُربط بضمانات وتعهدات من كلا الجانبين بالامتناع عن أي أعمال هجومية. وسيتيح وقف إطلاق النار أولًا تجنب المزيد من الخسائر البشرية بشكل عاجل، ويبني جوًا من الثقة الأولية بين الأطراف.
2. إطلاق مفاوضات سلام شاملة برعاية محايدة: فور سريان الهدنة، تبدأ مفاوضات مباشرة بين موسكو وكييف بوساطة دولية. من الأنسب تشكيل إطار تفاوضي يضمن حيادية وجدية الوساطة – قد يكون إطار “5+2” مثلًا: خمسة وسطاء دوليين (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، تركيا، الصين، الولايات المتحدة) إضافة إلى الطرفين الروسي والأوكراني. بهذا يشعر كلا الطرفين أن مصالحه مسموعة من قبل حلفاء وضامنين. ويمكن عقد جولات المفاوضات في مدينة محايدة (جنيف أو إسطنبول) وبشكل متواصل حتى التوصل إلى اتفاق إطار. ستتناول المفاوضات حزمة من القضايا المحورية، تشمل: مستقبل الأراضي المتنازع عليها، وضع أوكرانيا الجيوسياسي (الحياد أو التحالفات)، الترتيبات الأمنية وضمانات عدم الاعتداء، قضايا السيادة على القرم ودونباس، إعادة الإعمار والتعويضات، وآليات المصالحة والعدالة الانتقالية.
3. ضمان حياد أوكرانيا عسكريًا مقابل تأمين سيادتها: أحد جذور الحرب تمثل في مسألة انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو. ولإزالة هذا الشبح، تقترح خارطة الطريق تحييد أوكرانيا عسكريًا – على غرار وضع النمسا بعد الحرب العالمية الثانية أو فنلندا في حقبة ما قبل 2022 – بحيث تتعهد كييف بعدم الانضمام لأي تحالف عسكري مستقبلاً. في المقابل، تحصل أوكرانيا على ضمانات أمنية دولية صارمة من مجموعة دول (قد تشمل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وألمانيا وتركيا وغيرها)، تشابه مفعول المادة 5 من معاهدة الناتو. أي أنه إذا تعرضت أوكرانيا لأي عدوان مستقبلي فإن هذه الدول ملتزمة بالتشاور الفوري وتقديم الدعم للدفاع عنها. يمكن توثيق هذه الضمانات في معاهدة دولية مصدق عليها برلمانيًا في الدول الضامنة لضمان جديتها. وبذلك تحصل روسيا على مطلبها الاستراتيجي (أوكرانيا غير معادية عسكريًا على حدودها)، وتحصل أوكرانيا بالمقابل على أمنها واستقلالها بضمان دولي، دون الاضطرار للتخلي عن سيادتها أو حقها في العلاقات الدفاعية الثنائية.
4. تسوية تدريجية لوضع الأراضي المتنازع عليها: هذا هو البند الأكثر حساسية. نقترح أن يتم تجميد الوضع الميداني الحالي مؤقتًا عند خطوط وقف إطلاق النار – ليس اعترافًا بشرعيته، بل كخطوة لحقن الدماء. ثم يبدأ العمل على صيغة تسوية نهائية بشأن مناطق القرم ودونباس وغيرها. يمكن اعتماد نهج يقوم على مبادئ القانون الدولي وحق تقرير المصير: مثلًا، يتم الاتفاق على تنظيم استفتاءات محلية بإشراف أممي في تواريخ مستقبلية تحدد بعد 5-10 سنوات، تُمكّن سكان هذه المناطق من تقرير وضعهم (البقاء ضمن أوكرانيا مع حكم ذاتي موسع، أو الانضمام لروسيا، أو حتى استقلال إداري خاص). خلال الفترة الانتقالية، تبقى تلك المناطق تحت إدارة مؤقتة – ربما إدارة دولية أو مشتركة – لضمان عودة اللاجئين وتهيئة المناخ الحر للتصويت. قد يبدو هذا الطرح صعبًا، لكنه يوفر مخرجًا للجميع: أوكرانيا لا تُجبر الآن على التنازل رسمياً عن أراضيها، وروسيا يمكنها حفظ ماء الوجه بإظهار أن إرادة السكان ستحدد المصير، والأهم يتم تجنب استمرار الحرب للسيطرة على هذه المناطق. بطبيعة الحال، يتطلب ذلك ترتيبات أمنية على الأرض كمنطقة منزوعة السلاح تفصل بين القوات خلال الفترة الانتقالية، ونشر قوات حفظ سلام دولية من دول محايدة لضمان الاستقرار.
5. رفع تدريجي للعقوبات وإعادة الإعمار: يتم ربط تنفيذ التزامات الاتفاق بخارطة لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بشكل تدريجي ومشروط. مثلًا، مع اكتمال انسحاب القوات الروسية إلى خطوط ما قبل 24 فبراير 2022 (كمرحلة أولى) تُرفع مجموعة من العقوبات خاصة تلك التي تؤثر على المدنيين. وكلما تقدمت العملية السلمية وخضعت روسيا للترتيبات المتفق عليها، يُخفَّف المزيد من العقوبات. الهدف هنا إعطاء حافز اقتصادي قوي لموسكو للامتثال وعدم نكث العهود. وفي موازاة ذلك، يُطلق برنامج دولي لإعادة إعمار أوكرانيا بتنسيق البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وبمساهمة من روسيا أيضًا (على الأقل عبر الأصول المجمدة). ينبغي أن تشعر أوكرانيا بفوائد السلام سريعًا عبر تدفق الاستثمارات وإعادة البناء، لإقناع شعبها بجدوى التسوية. كما يمكن إنشاء صندوق تعويضات للمتضررين المدنيين من الحرب يُموَّل جزئيًا من دول غربية وروسيا، كخطوة نحو تحقيق العدالة وترميم النسيج الاجتماعي.
6. آلية عدالة ومصالحة مبنية على الإنصاف: لضمان سلام مستدام، لا يمكن تجاهل ملف العدالة عن الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب. تقترح خارطة الطريق تشكيل لجنة حقيقة ومصالحة دولية تضم خبراء قانونيين من دول محايدة، تتولى التحقيق في الانتهاكات الجسيمة (كجرائم الحرب) التي ارتكبها أي طرف، وتوثيق الحقائق للذاكرة التاريخية. يمكن البحث في خيارات قضائية مبتكرة: مثل اتفاق على محكمة خاصة مختلطة لمحاكمة المسؤولين عن أفظع الجرائم – مع مراعاة الحساسيات السياسية. وقد يشمل الحل عفوًا مشروطًا عن بعض المشاركين في القتال ضمن بنود المصالحة الوطنية، باستثناء من تثبت إدانتهم بأعمال إبادة أو جرائم كبرى. إن مبدأ عدم الإفلات من العقاب مهم لطي صفحة الحرب دون ظلم، لكنه يجب أن يُوازن بحكمة مع متطلبات السلام وعدم تعقيد المفاوضات. يمكن أيضًا تضمين آليات لتخليص أوكرانيا من مخلفات الحرب (كالألغام) وتعويض الضحايا وإعادة المختطفين والأسرى كجزء من الاتفاق، ما يرسخ المصالحة المجتمعية بين الأوكرانيين أنفسهم وبينهم وبين جيرانهم.
7. ضمانات دولية ومتابعة تنفيذ الاتفاق: أخيرًا، بعد التوصل لاتفاق سلام شامل، ينبغي أن يتم توثيقه في قرار جديد لمجلس الأمن يحظى بموافقة جميع الأعضاء الدائمين (وهذا يفترض موافقة روسيا أيضًا). مثل هذا القرار سيضفي شرعية دولية على الاتفاق ويجعله ملزمًا، ويمكن أن يتضمن تفويضًا بإنشاء بعثة أممية خاصة لمراقبة وتنفيذ عناصر الاتفاق على الأرض، سواء تعلق ذلك بمراقبي حدود أو مشرفين على الاستفتاءات أو قوات حفظ سلام. سيكون مهمًا أيضًا إنشاء آلية متابعة دورية (مثل لجنة دولية مشتركة) لمراقبة امتثال الأطراف وتذليل أي عقبات طارئة في التنفيذ. وبموازاة ذلك، يعمل المجتمع الدولي على إدماج روسيا من جديد في التعاون الاقتصادي والأمني تدريجيًا مع التزامها بالاتفاق، بحيث تشعر بأنها مستفيدة من السلام وليست خاسرة – مما يشجعها على احترامه.
إن هذه الخارطة المقترحة قد لا تحقق طموحات الحد الأقصى لأي طرف، لكنها تسعى إلى تحقيق سلام متوازن: سلام يحفظ لأوكرانيا وحدتها وسيادتها الأساسية ويضمن أمنها وحق شعبها في تقرير مصيره الحر، وفي الوقت نفسه يعالج هواجس روسيا الأمنية ويتيح لها مخرجًا كريمًا من المستنقع العسكري. سلام كهذا سيستند إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة – لا سيما عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة – مع إيجاد حلول استثنائية لوضع استثنائي عبر أدوات الديمقراطية (الاستفتاءات بإشراف دولي) والتعويض والمصالحة. ويدرك المركز الدولي (ICCSSM) أن تنفيذ مثل هذه الرؤية يحتاج إرادة سياسية جبارة وشجاعة من القادة المعنيين، فضلًا عن ضغط دولي مستمر من محبي السلام حول العالم.
ختامًا، ورغم قتامة المشهد الحالي، يظل لدينا أمل راسخ بأن السلام العادل ممكن إذا خلصت النوايا وتوفرت العزائم. لقد شهد التاريخ نزاعات أشد استعصاء تم حلها على طاولة المفاوضات عندما أدرك الأطراف أن كلفة الحرب تفوق أي مكاسب مزعومة. وفي الحالة الأوكرانية، نرى بوادر إدراك متزايدة – حتى لو أنكرتها اللغة الرسمية – بأن لا منتصر في هذه الحرب وأن استمرارها خطر على الجميع. ومع مرور كل يوم يزداد الضغط على زعماء العالم للتحرك. إن خارطة الطريق هذه ليست إلا رؤية مبدئية قابلة للإغناء والتطوير عبر العقول الدبلوماسية الحكيمة. لكن جوهرها يركز على كلمة واحدة هي مفتاح الخلاص: التسوية – التسوية القائمة على القانون والعدالة والتنازل المتبادل.
فلنجعل من العام المقبل موعدًا لإسكات البنادق في أوكرانيا، ولانطلاق ورشة سلام حقيقية ترعاها الأسرة الدولية. وليكن الهدف ليس مجرد إنهاء حرب، بل صياغة نموذج سلام جديد يقوم على الإنصاف ويحفظ حياة الشعوب وكرامتها. ربما تصبح أوكرانيا – التي عانت كثيرًا – مثالًا تاريخيًا على قدرة الإنسانية على وقف دوامة العنف بالاحتكام للعقل والحوار. هكذا فقط نكرّم تضحيات الآلاف من الضحايا، وهكذا نضمن لأوروبا والعالم مستقبلًا أكثر أمنًا واستقرارًا. وإن المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام (لندن) ليؤكد التزامه بمواصلة العمل عبر الدراسات والمبادرات لدعم كل جهد مخلص يضع حدًا لهذه الحرب وإحلال السلام العادل الذي طال انتظاره.
المصادر: تعتمد هذه الرؤية على معلومات وتحليلات موثقة من تقارير دولية وأبحاث مراكز فكر وتصريحات رسمية. إنها خلاصة رؤية محايدة تأمل أن تسهم في بلورة حلول سلمية للأزمة.

