المركز الدولي للإستشارات والدراسات الإستراتجية والإعلام- لندن – يوليو 2025
مواجهة الكوارث الطبيعية
لقد أثبت الذكاء الاصطناعي فعالية كبيرة في جميع مراحل إدارة الكوارث الطبيعية، من التنبؤ والوقاية إلى الاستجابة والتعافي. فخوارزميات التعلم العميق تُستخدم لتحليل بيانات الأرصاد والحركة الأرضية لتوقع الزلازل والفيضانات ومراقبة انتشار الحرائق بدقة فائقة. وعلى سبيل المثال، تستخدم شركة One Concern الذكاء الاصطناعي ونُظُم التوائم الرقمية لتصور تأثير الكوارث على البنى التحتية الحيوية في اليابان، مما يساعد المخططين على تعزيز خطط التأهب والكفاءة في البناء. كما طوّر باحثو جامعة واترلو نماذج ذكاء اصطناعي للتنبؤ بسلوك حرائق الغابات بتفصيل زمني عالي، مما يوفّر أدوات قرار واقعية لدعم فرق الإطفاء والتخطيط الحضري لمواجهة خطر الفيضانات.
تطوير الطب والتشخيص والعلاج
يساهم الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي من خلال دعم التشخيصات السريرية وتحسين خطط العلاج. فقد باتت النماذج الحسابية المتطورة قادرةً على فحص الصور الطبية وتحليل سجلات المرضى بسرعة ودقة، ما يسرّع تحديد الأمراض واتخاذ التدابير العلاجية اللازمة. وقد أشارت دراسات إلى أن خوارزميات تعلم الآلة تُستخدم بالفعل في المستشفيات لمساعدة الأطباء على حل المشكلات الطبية بشكل أسرع وأكثر دقة. ومن الأمثلة البارزة، تمكن مشروع AlphaFold التابع لشركة DeepMind من التنبؤ ببنية أكثر من 200 مليون بروتين بدقة عالية، حيث تقدم قاعدة بيانات AlphaFold المخصصة بنية هذه البروتينات لمجتمع البحث العلمي مجاناً، ما يعزز اكتشاف الأدوية ويفتح آفاقاً جديدة لفهم العمليات الحيوية. وفي هذا السياق، أطلقت OpenAI مبادرة HealthBench لتقييم أداء النماذج الذكية في سيناريوهات طبية واقعية، مؤكدةً أن تحسين الصحة العامة هو أحد الأهداف الرئيسة التي يقودها الذكاء الاصطناعي.
دعم البحث العلمي والتعليم
يسهم الذكاء الاصطناعي بدور متزايد في تسريع وتيرة البحث العلمي وتطوير أساليب التعليم. فقد بُنيت منصات ذكاء اصطناعي تعمل كمساعد افتراضي للعلماء، لتقوم بأعمال مثل استرجاع المعلومات من المنشورات وتحليل البيانات المصاحبة للخبرات التجريبية، ما يرفع من إنتاجية البحث ويساعد في حل مشكلات معقدة أسرع. وبنفس الوقت، تستخدم الأنظمة التعليمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي لجعل التعلم أكثر تفاعلية وتخصيصاً؛ فبحسب المؤسسة الوطنية للعلوم الأمريكية، فإن الذكاء الاصطناعي يعيد تصور طرق التدريس، ويجعلها أكثر ارتباطاً بالواقع وحل المشكلات العملية، مما يساهم في تحفيز الطلاب وتنمية مهارات الجيل القادم.
تحسين البنية التحتية والهندسة والطيران
أحدث الذكاء الاصطناعي نقلة نوعية في مجالات الهندسة المدنية والطيران. ففي تصميم المباني وإدارتها الذكية، يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل استهلاك الطاقة وتحسين المخططات المعمارية، مما أدى إلى خفض تكاليف البناء والتشغيل بنحو 5–10% في بعض المشاريع. كما تساهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في الإشراف على مواقع البناء ومنع الحوادث من خلال تحليل بيانات الاستشعار في الوقت الحقيقي وتحسين جداول العمل. وفي قطاع الطيران، تُستخدم تقنيات متقدمة مثل التعرف البيومتري وإنترنت الأشياء لتحسين كفاءة الأمن والعمليات التشغيلية في المطارات؛ فقد أصبحت الإمارات مثالاً في توظيف الذكاء الاصطناعي في مطاراتها، إذ تُبرز الاستراتيجية الوطنية للدولة ضرورة اعتماد هذه التقنيات للحفاظ على الريادة التقنية والاقتصادية في قطاع الطيران.
إنجازات OpenAI وخدمة الإنسانية
حققت شركة OpenAI إنجازات مهمة في مجال النماذج الذكية، مع إعلائها مبادئ خدمة الإنسان كهدف أساسي. فقد طوّرت OpenAI نماذج لغوية مثل GPT-4 تُعدّ من أكثر النماذج تطوراً حالياً، حيث أظهرت هذه النماذج أداءً فائقاً يتجاوز الكثير من النماذج الأخرى في اختبارات معيارية متنوعة. وهي توظف هذه القدرات في مجالات مفيدة للإنسانية؛ فعلى سبيل المثال أطلقت OpenAI منصة HealthBench بالتعاون مع مئات الأطباء لتقييم كيف يقدم الذكاء الاصطناعي إجابات صحية دقيقة في سيناريوهات واقعية. ويرسخ ميثاق OpenAI التزاماً بعدم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لأغراض ضارة، موضحاً أن مهمتها الأساسية هي التأكد من أن الأنظمة الذكية العاملة تفوق البشر في الأعمال القيمة تخدم البشرية جمعاء.
تجربة دولة الإمارات واستراتيجياتها الذكية لبناء سلام عالمي
تعد دولة الإمارات نموذجاً رائداً في صياغة استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي يهدف إلى التنمية المستدامة والمساهمة في السلام العالمي. فقد أطلقت الإمارات استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي 2031 بهدف ترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً للابتكار في هذا المجال، مع توقع نمو اقتصادي ضخم يُقدّر بنحو 335 مليار درهم بحلول ذلك العام. وعلى الصعيد الدولي، تشدد الإمارات على أهمية التعاون العالمي لضمان أن تخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصالح العام وتعزز السلام. فقد أكد ممثل الدولة بالأمم المتحدة أن تنسيق جهود الدول على مستوى الأمم المتحدة في مجال التقنيات الناشئة أمرٌ حاسم لضمان أن يسهم الذكاء الاصطناعي في المنفعة المشتركة وتعزيز السلام وحماية القيم الجامعة للبشرية. وهذا الموقف يجسد رؤيتها للاستثمار في دمج الذكاء الاصطناعي ضمن برامج التنمية والسلام العالمي.
رؤية مركز ICCSSM – لندن للذكاء الاصطناعي والسلام
يرى مركز ICCSSM الاستراتيجي (المقره لندن) أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة تقنية بل «مرآة» تعكس قيم ومخاوف مصمميه. ويؤكد المركز أنه إذا بُني هذا الذكاء باعتماد خيال أخلاقي، فإنه يمكن أن يتحول إلى «صانع سلام عالمي»، يعزز الدبلوماسية ويدعم وسائل الإعلام ويتنبأ بالنزاعات ويُوجّه الاستجابة الإنسانية. وتدعو المنظمة إلى وضع أطر أخلاقية ومسؤوليات وضمان أن يكون الذكاء الاصطناعي في خدمة الإنسانية، كما تحذر من عواقب التقاعس؛ إذ ترى أن فشله في الاندماج ضمن جهود السلام قد يؤدي إلى عواقب خطيرة على الأمن الدولي. وتؤكد مبدأ “المسؤولية الإنسانية” في تطوير الذكاء الاصطناعي، معتبرةً أن دوره في بناء مستقبل أخلاقي وسلام مستدام يتطلب تعاوناً دولياً وتواصلية مفتوحة تُعزز مناعيّة المجتمعات ضد المعلومات المضللة وتوظف التقنية لخدمة المهمشين والمحافظين على القيم الإنسانية.
المصادر: تم الاعتماد في هذا التقرير على أحدث الدراسات والتقارير الدولية لعرض إنجازات الذكاء الاصطناعي في مجالات مواجهة الكوارث، الرعاية الصحية، البحث العلمي، وتطوير البنى التحتية والطيران، بالإضافة إلى مراجع رسمية ومقالات لمنظمات ومراكز بحثية دولية (انظر الهوامش).
يأتي هذا التقرير 2025 ضمن مبادرة المركز الدولية “الذكاء من أجل السلام”، التي تهدف إلى توظيف الذكاء الأخلاقي في خدمة الإنسان وصنع مستقبل أكثر إنصافاً.

