في تقرير استراتيجي غير مسبوق، يستعرض مركز ICCSSM – لندن كيف أصبح الذكاء الاصطناعي حارسًا متقدمًا للبشرية، قادرًا على اكتشاف الأوبئة قبل أن تظهر أعراضها.
التقرير يشرح النماذج التقنية، أمثلة عالمية، وتحديات أخلاقية تواجه هذه المهمة الدقيقة، ويقدم رؤية المركز لمبادرة ‘الذكاء من أجل الإنقاذ المبكر – AI for Early Rescue
في عالمٍ باتت فيه الأزمات أسرع من الاستجابة، والأوبئة أذكى من أن تُرصد بالطرق التقليدية، برز الذكاء الاصطناعي لا كأداة دعم فحسب، بل كشريك استباقي في إنقاذ البشرية قبل أن ينهار الجسد ويعلو صوت الاستغاثة. تشير التجارب الحديثة إلى أن التأهب للجائحات القادمة يعتمد بشكل متزايد على شبكات مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تتعاون عالميًا لاكتشاف الإنذارات المبكرة. في هذا التقرير نسلّط الضوء على كيفية تنبؤ الذكاء الاصطناعي بظهور الأوبئة قبل تفشيها، وإعادة تشكيل آليات الرصد والتحذير والتدخل الصحي عالميًا قبل فوات الأوان.
1. كيف يتنبأ الذكاء الاصطناعي بالأوبئة؟
أ. من خلال البيانات:
تحليل مليارات السجلات الصحية (بيانات المستشفيات، المختبرات، والعيادات) لكشف الاتجاهات غير الاعتيادية.
مراقبة معدلات الأعراض غير المُفسَّرة الواردة إلى أقسام الطوارئ لاكتشاف أي ارتفاع مفاجئ.
قراءة الأنماط الوبائية من بيانات التطعيم وتوزيع الأدوية ومعدلات الغياب المدرسي كمؤشرات استباقية على انتشار مرض معين.
ب. من خلال السلوك الرقمي:
تتبّع عمليات البحث على الإنترنت عن الأعراض المرضية (مثل: “سعال مستمر” أو “ارتفاع حرارة في منطقتي”)، حيث يمكن أن تُشير الزيادات المفاجئة في هذه البحثات إلى بوادر تفشٍ.
تحليل منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تتضمن كلمات مفتاحية مرتبطة بالمرض (مثل الشكوى من أعراض تنفسية جماعية في منطقة محددة).
مراقبة الزيادات المفاجئة في طلب الأدوية عبر المنصّات الإلكترونية (كنفاد الباراسيتامول أو مضادات السعال بشكل غير معتاد) باعتبارها إنذارًا مبكرًا على انتشار عدوى في المجتمع.
ج. من خلال البيئة:
استخدام مستشعرات بيئية لرصد وجود فيروسات في مياه الصرف الصحي أو الهواء، مما يتيح اكتشاف الفيروس حتى قبل ظهور الحالات السريرية. تقنيات كهذه أثبتت فاعليتها في إعطاء إنذار مبكر لانتشار فيروس سارس-كوف-2 عبر تتبع آثاره في مياه الصرف.
تحليل بيانات درجات الحرارة والرطوبة والعوامل المناخية التي تهيئ البيئة لتفشي الأمراض (مثل المناخ الملائم لتكاثر البعوض الناقل للأمراض). دمج هذه العوامل في نماذج التنبؤ يساعد على توقع بؤر التفشي الموسمية بدقة أعلى.
2. النماذج التقنية المستخدمة
التعلم الآلي (Machine Learning): تُستخدم خوارزميات التعلم الآلي لكشف التغيرات الدقيقة والأنماط الخفية في البيانات الصحية أو السلوكية، والتي قد تدل على بوادر تفشٍ وبائي. نماذج التعلم الآلي قادرة على إيجاد الترابطات داخل مجموعات البيانات الضخمة (كربط زيادة بحث إلكتروني مع زيادة حالات حمى في منطقة ما) وتنبيه الجهات الصحية لاتخاذ تدابير مبكرة.
الشبكات العصبية (Neural Networks): بفضل قدرتها على محاكاة العمليات المعقدة، تُستخدم الشبكات العصبية العميقة لمحاكاة مسارات تفشي الأمراض بناءً على متغيرات اجتماعية وبيئية متعددة. أظهرت دراسات حديثة تفوّق الشبكات العصبية على النماذج التقليدية في توقع أعداد الإصابات والوفيات بدقة أعلى، حيث تستطيع هذه الشبكات استيعاب الأنماط غير الخطية لتفشي المرض (مثل تأثير التغيرات المناخية أو السياسات الصحية على انتشار العدوى).
نُظم المحاكاة (Simulation Models): تُستخدم نماذج المحاكاة الحاسوبية لتجربة سيناريوهات انتشار مختلفة وافتراض تأثير التدخلات المحتملة قبل وقوع الكارثة. هذه النماذج تتيح لصنّاع القرار اختبار فرضيات (مثل إغلاق المدارس أو حظر السفر) وتقييم فعاليتها في كبح انتشار المرض. وقد باتت نماذج المحاكاة أداة أساسية في رسم سياسات الاستجابة للجائحات والتخطيط لها، إذ تزوّد صناع القرار ببيانات مبنية على العلم حول أنجع الاستراتيجيات الاستباقية.
3. أمثلة واقعية رائدة
BlueDot (كندا): منصة صحية تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد الأخبار وبيانات السفر العالمية. تمكنت BlueDot من تنبيه عملائها إلى ظهور فيروس كورونا المستجد قبل إعلان الصين الرسمي بثمانية أيام (أواخر ديسمبر 2019)، عبر مراقبة أنماط السفر من ووهان وتحليل بيانات غير تقليدية للعدوى. كما استطاعت توقع الوجهات التالية لانتشار الفيروس (بانكوك، سيول، تايبيه، طوكيو) استنادًا إلى بيانات التذاكر الجوية، مما أثبت سرعة وفعالية الذكاء الاصطناعي في الاستشعار المبكر لبؤر الوباء.
HealthMap (معهد MIT – أمريكا): نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الأخبار وتقارير الصحة العامة وغيرها من البيانات لرصد تفشي الأمراض مبكرًا. يتميز HealthMap بقدرته على مسح المصادر المفتوحة بعدّة لغات، بما في ذلك المواقع الإخبارية ووسائل التواصل، لاستخلاص الإشارات المبكرة. بالفعل، التقط النظام مؤشرات أولية عن حالات التهاب رئوي مجهول المنشأ في ووهان بتاريخ 30 ديسمبر 2019 عبر رصد التقارير الإلكترونية المحلية ومشاركات التواصل الاجتماعي – أي قبل تنبيه السلطات الرسمية بأيام. (جدير بالذكر أن النماذج الحديثة للتنبؤ الوبائي باتت تدمج أيضًا بيانات الطقس والمناخ ضمن مدخلاتها، لما لها من تأثير على ديناميكيات الأمراض).
تعاون OpenAI و منظمة الصحة العالمية (WHO): ضمن جهود تطوير أنظمة إنذار مبكر عالمية، تعمل المنظمات الدولية مع روّاد التقنية على بناء أدوات تحليل لغوي ذكية لاستشعار الإشارات الأولى لتفشي الأمراض عبر التقارير المحلية وبمختلف اللغات. على سبيل المثال، يشارك مركز منظمة الصحة العالمية للاستخبارات الوبائية في برلين مع جهات تقنية في تطوير منصة EIOS (الاستخبارات الوبائية من المصادر المفتوحة) التي تجمع المعلومات من الأخبار ووسائل التواصل حول العالم وتحللها باستخدام المعالجة اللغوية للعثور على أية إشارات مبكرة لتهديدات صحية. هذا التعاون بين الخبرة الصحية العالمية والتقنيات اللغوية المتقدمة يهدف إلى كسر حواجز اللغة والجغرافيا في نقل التحذيرات، بحيث تصل التنبيهات بشكل استباقي إلى كافة الدول قبل تحول الإنذار المحلي إلى كارثة عالمية.
4. التحديات الأخلاقية والسياسية
الخصوصية: تعتمد أنظمة التنبؤ بالأوبئة على جمع كمّ هائل من البيانات (كسجلات المرضى أو معلومات التحرك الجغرافي)، مما يثير مخاوف بشأن خصوصية الأفراد. استخدام بيانات المرضى، وإن كان لغرض نبيل كمنع تفشي الوباء، قد يفتح الباب أمام انتهاكات للخصوصية إذا لم يُنظَّم بشكل صارم. لذا ينبغي اعتماد تشريعات تضمن حماية الهوية (كإخفاء البيانات الشخصية وتطبيق معايير تشفير عالية) عند استخدام المعلومات الصحية في النماذج التنبئية.
الشفافية: تواجه الحكومات وصنّاع القرار معضلة الثقة بنتائج نماذج الذكاء الاصطناعي، خاصةً إذا قدمت تنبؤات تُناقض المعطيات الرسمية. كثير من نماذج الذكاء تصرف نتائجها كـ”صندوق أسود” يصعب تفسيره، مما قد يجعل بعض الجهات مترددة في الاستجابة لتحذيراتها. لذلك تُعد قابلية تفسير قرارات الخوارزميات (Explainable AI) ضرورية لبناء الثقة لدى العاملين في الصحة العامة وصنّاع السياسات. إن توفير شروحات واضحة لأسباب إطلاق الإنذار (كذكر العوامل المؤثرة: زيادة معينة في عرض ما أو في منطقة ما) قد يُسهل على الحكومات تقبّل التحذير حتى لو لم تُعلن رسميًا حالة طوارئ بعد.
العدالة: يخشى البعض أن تُستخدم هذه التقنيات المتقدمة لحماية الدول الغنية فقط، بينما تُترك الدول الفقيرة تواجه مصيرها دون إنذار مبكر أو دعم كافٍ. ولضمان عدالة توزيع منافع الذكاء الاصطناعي صحيًا، ينبغي إطلاق مبادرات عالمية تضمن وصول أنظمة الإنذار المبكر لكافة البلدان وتدعم قدراتها التقنية. لقد أبرزت الدراسات ضرورة الاستثمار في تطوير تقنيات شفافة وعادلة وأخلاقية، جنبًا إلى جنب مع تعزيز التعاون الدولي في تبادل البيانات والخبرات. بدون ذلك، قد نشهد فجوة وبائية جديدة بين من يملك تقنية التنبؤ ومن يفتقر إليها، وهو ما ينافي مبدأ الأمن الصحي العالمي المشترك.
رؤية ICCSSM – لندن
في ظل هذا الواقع المعقّد، يقدّم المركز الدولي للاستشارات والدراسات الاستراتيجية والإعلام (ICCSSM – لندن) رؤيته القائمة على خطوات استراتيجية لمواجهة الأوبئة القادمة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي وعادل:
تعزيز استخدام الذكاء الأخلاقي في المجال الصحي: تطوير ونشر أنظمة ذكاء اصطناعي تضع القيم الإنسانية وأخلاقيات المهنة في صلب عملياتها. يتضمن ذلك برمجة الخوارزميات بحيث تراعي خصوصية الأفراد وكرامتهم، وتكون خاضعة لمعايير شفافية ومساءلة واضحة أثناء رصد الأوبئة والتعامل مع بيانات المرضى.
بناء تحالف عالمي يربط العلماء والأطباء والأنظمة الذكية: إقامة شراكات دولية بين مراكز الأبحاث الطبية وقطاعات التقنية والحكومات، بهدف تبادل المعلومات بشكل آنٍ حول أي إشارات وبائية ناشئة. هكذا تحالف سيمكن مختلف الأطراف من الاستجابة السريعة والمنسّقة، بحيث تُشارك دولة ما تنبيهاتها المستندة إلى الذكاء الاصطناعي مع بقية الدول دون تأخير أو حواجز سياسية.
إطلاق مبادرة “AI for Early Rescue” – الذكاء من أجل الإنقاذ المبكر: وهي مبادرة عالمية يقودها ICCSSM – لندن لتطوير منصة موحّدة للإنذار المبكر بالأوبئة. تهدف هذه المنصة إلى رصد الإشارات المبكرة في كل مكان، ومشاركة التحذيرات على نطاق واسع وفوري، وتفعيل الاستجابات الصحية العاجلة قبل أن يتحول المرض المحدود إلى وباء عالمي. AI for Early Rescue ستعمل بمثابة جهاز إنذار دولي، يقرع الجرس متى التقطت المستشعرات الذكية خطرًا محتملاً – ليهرع العالم بأسره، كجسد واحد، إلى موقع الخطر للقضاء عليه في مهده.
خاتمة
في عصر الأوبئة الخفيّة، لم يعد كافيًا أن نستجيب… بل علينا أن نستمع. والذكاء الاصطناعي، حين يُصغي لما لا يُقال، قد يُنقذ الملايين من الأرواح قبل أن تُزهَق. إن مستقبل مكافحة الجوائح يعتمد على قدرتنا على توظيف هذه التقنيات الاستباقية ضمن منظومة تعاون عالمي لا تعرف الحدود، بحيث يتحدث المستقبل – عبر البيانات والإشارات – فنُنصت له ونتحرّك في الوقت المناسب حفاظًا على الإنسانية.
في زمن تتسارع فيه الكوارث، نحتاج إلى أدوات تنذر بالخطر قبل أن يسقط الجسد… وهذا بالضبط ما يعد به الذكاء الأخلاقي.”
www.info@.iccssm.com

