في النظرة الأولى، تبدو الحرب الدائرة حول إيران وكأنها نزاع إقليمي حاد، متسارع، ومحصور جغرافيًا لكن تحت هذا السطح، تتشكل حقيقة مختلفة تمامًا.
هذه ليست مجرد حرب بل لحظة إعادة ضبط في النظام الدولي.
روسيا، الصين، وأوروبا لا تتفاعل فقط مع الأحداث بل تتموضع داخل مشهد أوسع من التنافس الاستراتيجي، يتجاوز الشرق الأوسط بكثير. كل طرف يتعامل مع الأزمة بطريقة تكشف أولوياته، لكنها تكشف أيضًا رؤيته طويلة المدى لمفهوم القوة.
موسكو، من جهتها، تلعب لعبتها المعتادة القائمة على الصبر والانتهازية في العلن، تنتقد الولايات المتحدة وفي الخفاء، تستفيد. ومع ارتفاع أسعار النفط يضخ موارد إضافية في حربها في أوكرانيا، بينما يتحول تركيز الغرب بعيدًا عن أوروبا. وفي الوقت نفسه، تراقب روسيا عن كثب، تدرس كيف تُدار الحروب الحديثة، لا لتطبيقها اليوم، بل لاستخدامها في صراعات الغد .
أما الصين، فتبدو متحفظة لكن هذا التحفظ ليس غيابًا، بل حسابًا دقيقًا. بكين تتجنب المواجهة المباشرة، وتحافظ على مصالحها الاقتصادية، بينما تنظر إلى الحرب كمساحة تعلّم استراتيجية. ما يهمها ليس فقط مجريات الصراع، بل تداعياته على الطاقة، والتجارة، واستقرار شركائها. فكل ما يحدث في الشرق الأوسط، لا يبقى فيه بل يمتد ليؤثر في عمق النظام الاقتصادي الصيني.
أوروبا، في المقابل، تجد نفسها في موقع مختلف تمامًا منجذبة إلى صراع لم تبدأه، ولا تملك السيطرة عليه. بين التزاماتها الأمنية، وهشاشتها الطاقوية، وضغوط التحالفات، تكافح العواصم الأوروبية لتحديد دورها. الانقسامات بدأت تظهر، ليس فقط حول التدخل العسكري، بل حول سؤال أعمق: هل تملك أوروبا فعلاً استقلالية استراتيجية؟ الحرب هنا لا تختبر السياسات فقط، بل تكشف الفجوة بين الطموح والقدرة .
لكن التحول الأهم يكمن في ما يجمع هذه الأطراف لا أحد منهم يخوض هذه الحرب بشكل مباشر ومع ذلك، الجميع يتشكل بها روسيا تستثمر فيها والصين تدرسها وأوروبا تُختبر من خلالها.
أما الولايات المتحدة، ورغم قيادتها للمشهد العسكري، فهي في الوقت ذاته توزّع مواردها على أكثر من جبهة فاتحة المجال أمام الآخرين لإعادة التموضع وهنا تبدأ الصورة الحقيقية بالظهور.
الحرب لم تعد تتعلق بإيران فقط بل بإعادة توزيع الانتباه الاستراتيجي، والموارد، وموازين النفوذ على مستوى النظام الدولي في هذا السياق، لا تُحسم النتائج فقط في الميدان، بل في القدرة على التكيّف مع ما يأتي بعده.
فالقوة لا تُمارس فقط بالقوة…بل تُبنى بالتموضع وهذا هو التنافس الصامت الذي يجري الآن لكن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيربح الحرب؟ بل: من سيُحسن استخدامها؟

التعليقات معطلة.