كيف بدأ الصراع؟ ولماذا لم يُحل حتى الآن؟
لم يعد بالإمكان تحليل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بمنظور شعاراتي أو مؤطر بلغة الحق مقابل الباطل. فالمسألة، من منظور استراتيجي معاصر، باتت تمس جوهر النظام الإقليمي والدولي، وتنعكس على أمن العالم واستقراره.
يمتد جذر النزاع إلى قرارات تاريخية فرضت معادلات جغرافية وسكانية معقّدة دون مسارات توافقية أو ضمانات تنفيذية عادلة. وبالرغم من تعدد المبادرات الأممية والإقليمية منذ بدايات القرن الماضي، إلا أن غياب الاعتراف المتبادل بالهويات، والتنافس على السيادة، والجمود السياسي على المستويين الفلسطيني والإسرائيلي، ساهم في إعادة إنتاج الأزمة بدل احتوائها.
نحن في مركز ICCSSM لا نُعيد سرد التاريخ، بل نقرأه لنفهم لماذا فشلت معظم محاولات الحل، ونقترح اليوم أرضية جديدة لإعادة تعريف السلام، لا كصفقة، بل كمسار سيادي يضمن الكرامة المتبادلة.
من المسؤول؟ سؤال أخلاقي أكثر منه قانوني
حين نتناول مسؤولية الصراع، لا نهدف إلى إدانة طرف أو تبرئة آخر، بل نبحث عن تفكيك بنية الأزمة لفهم ما الذي أعاق بناء الثقة وأجهض فرص السلام.
لقد تراكمت التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدى الطرفين، وتعددت مراكز القرار، وتباينت المقاربات بين العمل الدبلوماسي والعسكري، مما أدى إلى فقدان بوصلة الحل.
في المقابل، لم يُوفر المجتمع الدولي بيئة ضامنة وشفافة كفيلة بتحفيز التسويات العادلة، ما جعل الصراع عرضة للتوظيف السياسي والإعلامي، وأفقده صفته الإنسانية.
ولذلك، فإن الحل لا يكون بالبحث عن “الملام”، بل في تصميم آلية تُمكّن الأطراف من تجاوز سرديات الألم نحو مستقبل مشترك يقوم على السيادة والاعتراف المتبادل والعيش الآمن.
الضحايا… أرقام تُغيب الإنسانية
لم يعد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مجرد نزاع حدود أو سيادة، بل تحول إلى مأساة إنسانية متجددة، يدفع ثمنها المدنيون من كلا الجانبين.
خلال العقود الأخيرة، سقط عشرات الآلاف من الضحايا، غالبيتهم من النساء والأطفال، في ظل غياب آلية دولية فاعلة لحماية المدنيين أو محاسبة المتجاوزين للقانون الدولي الإنساني.
من جهة أخرى، أدت الهجمات المفاجئة والتصعيدات الأمنية إلى زعزعة أمن المجتمع الإسرائيلي، وخلقت شعورًا بالخوف الوجودي ينعكس على السياسات العامة.
إن الاعتراف بالألم المشترك لا ينتقص من الحق السياسي، بل يكرّس وعيًا جديدًا بأن أمن أي طرف لا يمكن أن يتحقق على حساب الآخر، وأن كرامة الإنسان، بصرف النظر عن انتمائه، يجب أن تكون منطلق كل حل.
دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية… من الغياب إلى الحاجة لإعادة التفعيل
رغم تعدد قرارات الأمم المتحدة حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلا أن غياب الإرادة الدولية الملزمة وازدواجية المعايير حالا دون تنفيذ أغلب هذه القرارات، ما أضعف مصداقية المؤسسات الأممية في أعين شعوب المنطقة.
كذلك، بقيت بعض الوكالات الإنسانية حبيسة أدوارها الإغاثية، دون أن تتمكن من تحويل المعاناة اليومية إلى مسار سياسي ضاغط يفتح آفاقًا للحل.
ومع ذلك، فإن الفرصة لا تزال قائمة لتفعيل الدور الأممي من خلال خارطة طريق جديدة تُبنى على آليات تنفيذية واضحة ومساءلة متوازنة لكافة الأطراف.
من جهة أخرى، برزت الحاجة إلى دور خليجي أكثر ديناميكية في رعاية المصالحات ودعم المسارات السياسية البناءة، نظرًا لما تملكه دول الخليج من ثقل اقتصادي ونفوذ دبلوماسي متوازن لدى كافة الأطراف.
كما أن منظمة التعاون الإسلامي مطالبة اليوم بالانتقال من لغة التضامن التقليدية إلى قيادة مبادرة استراتيجية تضع القضية الفلسطينية ضمن رؤية أمن إقليمي متكاملة، وتؤسس لشراكة مع القوى الدولية لصياغة حلٍ عملي قابل للتطبيق.
لماذا فشلت الاتفاقيات السابقة؟ ولماذا قد تنجح القادمة؟
فشلت معظم الاتفاقيات السابقة – من أوسلو إلى أنابوليس – بسبب:
غياب الإرادة السياسية طويلة الأمد
ضعف آليات التنفيذ والرقابة
تضارب المصالح الداخلية والإقليمية
تغييب البعد المجتمعي والإنساني
افتقارها إلى الضمانات العملية الواقعية
لكن الاتفاقيات المستقبلية قد تنجح إذا:
تأسست على اعتراف متبادل بالسيادة والكرامة
تمت برعاية إقليمية (خليجية) ودولية متوازنة
شملت المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية والإعلامية
قُدمت فيها حلول غير تقليدية وخارطة طريق مرحلية واقعية
خارطة الطريق – ICCSSM
1. بناء الثقة:
وقف إطلاق نار دائم
إعلان نوايا متبادل
إنشاء لجنة دولية – خليجية – أوروبية لمتابعة التنفيذ
2. التمكين الاقتصادي والاجتماعي:
فتح المعابر تدريجيًا
إطلاق مشاريع إنمائية في غزة والضفة
حكومة فلسطينية موحدة بإجماع داخلي
3. الاعتراف المتبادل:
اعتماد حدود مؤقتة
إدارة دولية للقدس مؤقتًا
اعتراف رسمي متبادل من الطرفين
4. العدالة التصالحية:
هيئة مستقلة للتعويضات وتوثيق المعاناة
مشاركة ضحايا الطرفين في لجان المصالحة
برامج نفسية وتعليمية لإعادة الدمج
5. الأمن الإنساني والتعايش:
مناطق تجريبية للعيش المشترك
مناهج تعليمية تعترف بالروايتين
مجلس سلام مدني مشترك
الخاتمة: رؤية سياسية لا شعارات عاطفية
هذا التقرير لا يطرح شعارات بل يصوغ فرصة.
لا يدّعي امتلاك الحقيقة، بل يدعو لصياغتها بشجاعة، على طاولة الاعتراف، لا ساحات الصراع.
هذا التقرير يؤمن أن السلام السيادي الحقيقي لا يقوم إلا على الاعتراف بالألم المشترك، والعمل الجماعي لصناعة مستقبل يحترم الإنسان، قبل الحدود.
من ندعو صناع القرار، والمؤسسات الدولية، إلى قراءة هذا التقرير بعين المسؤولية والشراكة في صياغة سلام مختلف.”

