في النظرة الأولى، تبدو الصين وكأنها غائبة إلى حد كبير عن الحرب الدائرة حول إيران. اقتصر دورها على تصريحات دبلوماسية، ودعوات لخفض التصعيد، ومواقف متوازنة بعناية داخل الأمم المتحدة. وبالمقارنة مع كثافة العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو بكين بعيدة… بل شبه محايدة.
لكن هذا الانطباع مضلل، الصين ليست منسحبة، بل تمارس ضبطًا محسوبًا فهي لا تسعى للدخول في الصراع مباشرة، بل تتموضع لما سيأتي بعده. استراتيجيتها لا تقوم على التأثير في ساحة المعركة، بل على تشكيل نتائجها بعد أن تهدأ. وهذا ما يفسر محدودية تحركاتها حتى الآن، مقابل احتفاظها بأوراق نفوذها الحقيقية.
في صلب هذه المقاربة، تقف أولوية واحدة: أمن الطاقة حيث قرابة 40% من واردات الصين النفطية تمر عبر مضيق هرمز، كما أنها تستوعب النسبة الأكبر من صادرات النفط الإيراني حتى في ظل العقوبات. ورغم الحرب، لم يتوقف هذا التدفق، ما يشير إلى وجود تفاهم عملي مستمر بين بكين وطهران ومع ذلك، فالصين ليست خارج المشهد بالكامل.
هذا وأشارت تقارير عن أنشطة مراقبة، بما في ذلك وجود سفينة استخباراتية صينية في المنطقة، تكشف عن طبقة أخرى من الانخراط طبقة تقوم على الرصد والتعلّم والتموضع الاستراتيجي. بالنسبة لبكين، هذه الحرب ليست فقط أزمة… بل فرصة لدراسة السلوك العسكري الأمريكي في ظروف واقعية.
هذا وأشارت تقارير عن أنشطة مراقبة، بما في ذلك وجود سفينة استخباراتية صينية في المنطقة، تكشف عن طبقة أخرى من الانخراط طبقة تقوم على الرصد والتعلّم والتموضع الاستراتيجي. بالنسبة لبكين، هذه الحرب ليست فقط أزمة… بل فرصة لدراسة السلوك العسكري الأمريكي في ظروف واقعية.
لكن المرحلة الأهم لم تبدأ بعد حيث انه عندما تنتهي الحرب، ستواجه إيران حاجة ملحّة لإعادة بناء بنيتها العسكرية. وهنا قد يتحول الدور الصيني إلى عامل حاسم. فبكين، على عكس الأطراف المنخرطة عسكريًا، تمتلك القدرة والحافز لدعم إعادة الإعمار غالبًا ضمن معادلة تقوم على الطاقة مقابل إعادة البناء.
مثل هذا السيناريو قد يعيد تشكيل نتائج الحرب نفسها. فالإنجازات العسكرية في الميدان قد تكون مؤقتة، إذا ما تم تعويضها سريعًا من خلال إعادة بناء مدعومة خارجيًا. وعندها، لا يكون التحدي فقط في إضعاف القدرات، بل في التحكم بكيفية وسرعة استعادتها.وهنا تظهر معضلة استراتيجية أمام الولايات المتحدة وإسرائيل فنجاح العمليات العسكرية لا يضمن استقرارًا طويل الأمد، إذا تُركت مرحلة ما بعد الحرب دون إدارة.
الصين تدرك هذه المعادلة جيدًا هي لا تنافس داخل الحرب… بل تتموضع للتأثير في ما بعدها. استراتيجيتها تعكس نمطًا أوسع: تجنّب المواجهة المباشرة، تأمين المصالح بعيدة المدى، والدخول في اللحظة التي يصبح فيها التأثير أكبر.
في حروب اليوم، لا تنتهي المعارك عندما يتوقف القتال بل تنتهي عندما يُعاد بناء ميزان القوة وبشكل متزايد، لم يعد هذا الميزان يُحسم في الميدان…بل في مرحلة إعادة الإعمار التي تليه.

